السلطة الفلسطينية والغياب القسري عن أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة

28 ثانية ago
السلطة الفلسطينية والغياب القسري عن أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة

بقلم/*الدكتور محمد مفضي المعاقبة

يأتي هذا المقال بعد إعلان الولايات المتحدة رفضها منح التأشيرات اللازمة لرئيس وأركان السلطة الفلسطينية للمشاركة في اجتماعات واعمال الجمعية العامة .
وبالعودة إلى اتفاقية المقر بين هيئة الأمم المتحدة والولايات المتحدة، يتضح جلياً أن هذه الاتفاقية تفرض التزامات قانونية على دولة المقر، بما يضمن تمكين الأمم المتحدة من أداء مهامها وفقًا لميثاقها. وتشمل هذه الالتزامات ضمان حرية وصول ممثلي الدول، بما في ذلك رؤساء الدول والحكومات والوزراء، إلى مقر المنظمة الدولية في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة ومجلس الأمن.

إن منع رئيس السلطة الفلسطينية من دخول الأراضي الأمريكية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يشكل خرقًا صريحًا لاتفاقية المقر، التي تُلزم الولايات المتحدة كدولة مقر بضمان حرية وصول جميع الممثلين دون قيود أو تضييق. فالاتفاقية لم تترك هذا الأمر خاضعًا لاجتهاد سياسي، بل جعلت من واجب الولايات المتحدة أن تضمن وصول جميع الوفود الرسمية إلى مقر المنظمة، حتى في ظل خلافات سياسية أو اي كانت الاعتبارات داخلية.

ويتمتع الرئيس محمود عباس، بصفته رئيسًا للسلطة الفلسطينية التي اكتسبت صفة الدولة المراقب غير العضو في الأمم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة رقم 67/19 الصادر بتاريخ 29 نوفمبر 2012، بذات الامتيازات البروتوكولية التي تُمنح لرؤساء الدول. ذلك أنه يمثل كيانًا اعترفت به الجمعية العامة باعتباره صاحب شخصية قانونية دولية، وهو ما أسّس لوضع قانوني خاص لفلسطين داخل الأمم المتحدة ومنحها القدرة على المشاركة الفعالة في أعمالها. ومن ثم، فإن إلغاء أو منع التأشيرات عن ممثلي فلسطين يُعد تعديًا سافرًا على اتفاقية المقر وتقويضًا للأسس القانونية التي اعتمدت عليها المنظمة في تنظيم أعمالها.

إن الأهلية القانونية والصفة الدولية لفلسطين تستمد مشروعيتها من الاعتراف الرسمي الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما اتصل به من انخراط متزايد لفلسطين في المنظومة الدولية. والمنع أو التضييق على رئيس السلطة الفلسطينية وممثليها القانونيين يأتي في وقت يشهد تحولات دولية غير مسبوقة، حيث بدأت عدة دول كبرى في تبني موقف واضح نحو الاعتراف الكامل بدولة فلسطين كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة.

ففي عام 2024 اعترفت دول أوروبية مثل النرويج وإيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا بدولة فلسطين، الأمر الذي شكل نقلة نوعية في الموقف الأوروبي. وفي عام 2025 تصاعدت هذه الموجة، إذ أعلنت فرنسا أنها ستعترف بدولة فلسطين خلال أعمال الجمعية العامة في سبتمبر المقبل، وأعلنت المملكة المتحدة استعدادها لاتخاذ خطوة مماثلة بشروط مرتبطة بوقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات. كما أكدت كندا نيتها الاعتراف شريطة إنجاز إصلاحات ديمقراطية داخلية، فيما أعلنت أستراليا رسميًا في أغسطس 2025 أنها ستصوت لصالح الاعتراف بفلسطين كدولة في الجمعية العامة مع بعض الالتزامات المتوقعة من الجانب الفلسطيني.

إن أهمية الاعتراف الكامل بدولة فلسطين تكمن في أنه يعزز من مكانتها الدولية، ويمنحها إمكانية التقدم بعضوية كاملة في الأمم المتحدة، ويكرّس حقها في الانضمام إلى المؤسسات الدولية كالمحكمة الجنائية الدولية وغيرها. كما أن هذا الاعتراف يساهم في إعادة صياغة المعادلات السياسية والدبلوماسية على الساحة الدولية، ويشكل دعمًا مباشرًا لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أرضه .

ماذا يريد صانع القرار الاميريكي من هذا المنع ؟؟ وما هي المآرب لذلك ؟

*استاذ القانون العام المشارك -كلية الحقوق – الجامعة الأردنية