د. هاني العدوان
في حياة الشعوب لحظات فارقة تصنع ذاكرة أبدية، ومن تلك اللحظات في تاريخ الأردن يوم اغتيال دولة الشهيد هزاع المجالي، حين دوى صوت الانفجار في دار رئاسة الوزراء اهتز وجدان وطن بأسره، إذ اغتيل رجل كان يجسد معنى الدولة والكرامة والسيادة، ورمزا للصلابة والوفاء للوطن، لقد أراد الغدر أن يطفئ شمعة مضيئة في مسيرة الأردن، لكن دماء الشهيد جعلت من اسمه راية خفاقة وعلامة بارزة في الزمن الأردني الجميل، ورمزا لرجال الدولة الذين عاشوا للأردن وماتوا في سبيله
اليوم فى ذكرى استشهاده فإننا نكتب عن عن قامة وطنية سامقة وركن راسخ من أركان الدولة الأردنية، لقد كان هزاع المجالي رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، جمع بين قوة الشخصية ورجاحة العقل، بين الصرامة في الموقف والحكمة في القرار، وبين الإيمان العميق بالأردن ككيان وطني مستقل، وبين الانتماء الصادق للأمة العربية وقضاياها الكبرى، كان مؤمنا بأن الأردن لا يعيش في عزلة، وأن مصيره مرتبط بالمصير العربي كله، لذلك جاءت سياساته ومواقفه مشدودة دائما إلى البعد القومي، مدافعة عن فلسطين، حريصة على وحدة الصف، متمسكة بالثوابت التي لا تقبل المساومة
عرفه الأردنيون رجلا نظيف اليد، نزيها في سلوكه، قريبا من الناس، بسيطا في حياته لم يجعل المنصب مغنما، بل تكليفا ومسؤولية، ولم يستخدم سلطتة كأداة للهيبة والسطوة، بل وسيلة لخدمة الشعب وحماية الوطن وبناء مؤسسات الدولة الناشئة، كان شديد الحرص على استقلال القرار الأردني، لا يقبل إملاء ولا يرضخ لضغوط، يرى أن الوطن لا يمكن أن يقوم إلا على أساس من الكرامة والسيادة، وأن الدولة لا يمكن أن تستقيم إلا برجال يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار
ومن أبرز ما يميز سيرة هزاع المجالي علاقته الوثيقة بالملك الراحل الحسين بن طلال طيب الله ثراه، علاقة شراكة رؤى ومشروع ووفاء متبادل، ولم تكن تلك الصفات خافية على الحسين فقد وجد فيه رجل الدولة الذي يؤتمن على اللحظة الحرجة، فكان موضع ثقته وقربه ومحل مشورته، ربطت الرجلين علاقة عنوانها الصدق والولاء المتبادل، الملك الذي أراد بناء دولة حديثة راسخة، ورجل الدولة الذي فهم مشروع الملك واندفع لتحقيقه بلا تردد، لذلك كلفه الملك بملفات داخلية وخارجية بالغة الحساسية، وأسند اليه مهمات صعبة تتطلب حزما وعقلا ، من ضبط ايقاع الحياة السياسية في أوقات الاضطراب، الى تحصين القرار الوطني ومن ضغوط المحاور، الى تثبيت الدور الأردني في القضية الفلسطينية ومجاله العربي، وكان هزاع يجيد لغة الجمع بين هيبة الدولة ورحابة الصدر، فيقدم للملك نصيحة صادقة لا يجامل فيها، ويترجم توجيهاته الى سياسات واقعية قابلة للتنفيذ، وكان الملك بدوره يرى فيه الجسر الأمين بين العرش والناس، يستمع منه ويستند اليه، ويثق بقدرته على اختيار الرجال ووضع كل اسم في مكانه، وقد تجلت مكانته عند الملك يوم رحيله، فكان الفقد جللا، اذ فقد الحسين واحدا من خيرة رجاله واعمدة مشروعه، وشهدت البلاد وداعا يليق بقدر شهيد الدولة ووفائه
لقد امتدت يد الغدر إليه لأنه كان يمثل النموذج الذي تخشاه قوى الظلام، نموذج المسؤول العربي الذي لا يشترى ولا يساوم، الذي لا ينحني أمام العواصف، ولا يتردد في الدفاع عن قضايا الأمة، كان وجوده عقبة في وجه المخططات التي أرادت للأردن أن يكون ضعيفا خانعا تابعا، فجاء التفجير الآثم ليستهدفه في قلب مكتبه بدار رئاسة الوزراء، في مشهد أرادوا به أن يطفئوا صوتا صادحا بالحق وأن يقتلوا حلما وطنيا وقوميا كبيرا، غير أن دماءه الزكية لم تطفئ الروح، بل زادت الأردنيين إصرارا على أن هذا البلد لا ينكسر، وأن القيادات الصادقة وإن غيبتها رصاصات الغدر تبقى حاضرة في الضمير والوجدان، وكان المشهد يوم جنازته شهادة أخرى على محبة الأردنيين له، فقد خرجت الجماهير بمختلف أطيافها وشرائحها تودع رجلا رأوا فيه المثال على الشرف والوفاء، امتلأت الشوارع بالناس الذين جاؤوا من المدن والقرى والبوادي، رجال الدولة جنبا إلى جنب مع عامة المواطنين، الكل يحمل الحزن ذاته والدمعة ذاتها، لقد وحدت جنازته الأردنيين حول رموزهم، وأكدت أن مكانة هزاع المجالي لم تكن مرتبطة بالمنصب بل بالمحبة العميقة التي زرعها في قلوب الناس والاحترام الذي حظي به من الجميع، وقد سجلت تلك اللحظة أن الغدر يمكن أن يطفئ حياة إنسان، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثره من ذاكرة الأمة
لقد كان زمن هزاع المجالي زمنا أردنيا جميلا، زمن رجال الدولة الكبار الذين حملوا الأمانة بصدق وتجرد، الذين عاشوا للناس لا على حساب الناس، الذين جعلوا من النزاهة والوفاء عنوانا للسلطة، ومن خدمة الوطن رسالة، ذلك الجيل من الرجال كان يرى في الأردن مشروعا قوميا وحضاريا
رحل هزاع المجالي شهيدا لكن بقيت سيرته شاهدة على أن الوطن يبنى بالرجال الذين يملكون البصيرة والرؤية الثاقبة والإيمان الصادق، بقيت ذكراه نموذجا للسياسي الشريف الذي لم يعرف التلون ولا التردد، ولرجل الدولة الذي كان يضع الأردن وفلسطين والأمة في قلبه قبل أي شيء آخر، وإن استدعاء سيرته وفاء لرمز وطني رحل وتذكير للأجيال بأن الأوطان لا تنهض إلا بأمثال هؤلاء، وبأن دماء الشهداء تظل وقودا يضيء الطريق ويمنح الأمة القدرة على الصمود والبقاء