بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
بعد قراءة متأنية للمشهد الحزبي في الأردن، لا أجد ما يستحق أن يُسمى ديمقراطية حزبية، بل ولا حتى ديمقراطية داخل الأحزاب نفسها. فمعظم الأحزاب متشابهة في أهدافها، وأكثر تشابهًا في وجوهها وشخوصها،
لكنها في الواقع بلا رؤى واضحة، ولا برامج حقيقية، ولا معرفة سياسية معمقة. والنتيجة: أحزاب مترنحة تتهاوى عند أول اختبار.
البعض يعزو ضعف العمل الحزبي إلى غياب التمويل، وآخرون يردونه إلى غياب الأيديولوجيا والبرامج.
لكن الحقيقة أن جوهر الأزمة أعمق من ذلك؛ إذ إن كثيرًا من الأحزاب لا تحمل أهدافًا وطنية صادقة، بل تُنشأ لمصالح شخصية، يظن مؤسسوها أنها طريق معبد إلى البرلمان أو الأعيان أو الوزارة.
وعندما ينال البعض مبتغاه لا يعنيه الحزب ولا الوطن، فالمصلحة الوطنية آخر ما يُفكر فيه.
للأسف، تحولت بعض الأحزاب إلى أدوات بيد من يملك المال؛ يسيطر بها على قراراتها، ويمسك بخيوطها
الأمين العام أو الممول.
وهنا المفارقة الكبيرة مع الأحزاب القديمة التي عرفناها قبل عقود؛ أحزاب ضحّى رجالها في سبيل الفكرة، وواجهوا السجون والملاحقات دفاعًا عن العدالة للشعب والوطن، لا طمعًا في منصب أو جاه.
كنا يومًا أعضاء ندفع من جيوبنا رسوم الانتساب رغم ضيق الحال، ونخدم الناس بلا استثناء، نعمل كما يعمل الجنود في خدمة وطنهم تحت راية قائدهم. لم نكن ننتظر خدمات خاصة أو مكاسب شخصية.
أما اليوم، فكثير من الأعضاء يستقيلون إن لم يحقق الحزب لهم منصبًا أو منفعة، وبعضهم يجمع هويات أقاربه وأصدقائه كما لو كانت فزعة انتخابية، لا التزامًا بفكر وطني.وللاسف
هكذا تحولت الاستقالات إلى مظاهر جماعية؛ يخرج أحدهم ليعلن: “أنا وجماعتي سنستقيل”، وكأنها عشيرة لا حزب سياسي. فأي عمل حزبي هذا الذي يقوم على المصالح الشخصية والفزعات، لا على فكر وبرامج وطنية؟
إن المشهد الحزبي الحالي، مع استثناءات قليلة، لا يبشّر بعمل وطني منظم، ولا يقدّم ما يخدم الوطن. وإذا استمرت هذه الذهنية السائدة، فإن العمل الحزبي سيبقى مجرد مضيعة للوقت، بدل أن يكون أداة للتغيير والإصلاح والبناء.
إن ما نراه اليوم من مشهد حزبي مرتبك ومليء بالانقسامات والمصالح الضيقة، لا يرقى إلى طموحات الشعب الأردني ولا إلى حجم التحديات الوطنية.
فإذا أرادت الأحزاب أن تستعيد ثقة الناس، فعليها أن تعود إلى جذورها: الفكر، والبرنامج، والتضحية.
الحزب ليس دكانًا انتخابيًا ولا وسيلة للوصول إلى منصب؛ بل هو مشروع وطني يضم نخبة واعية تمتلك رؤية شاملة لإصلاح الدولة والمجتمع. المطلوب اليوم هو أحزاب تضع الوطن قبل الأشخاص، والمصلحة العامة قبل الخاصة، وتربي أعضاءها على الانتماء والعمل التطوعي وخدمة الناس لا شراء الولاءات.
إن استعادة روح الحزبية الحقيقية ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة لإنقاذ الحياة السياسية من حالة “الفزعة” والشللية.
وإذا لم تُدرك الأحزاب هذا سريعًا، فإنها ستبقى عبئًا ثقيلًا على الدولة والمجتمع، ويظل العمل الحزبي كما يراه الناس اليوم: مضيعة للوقت