​وفاة العاملة “ردينة”: عارضِ صحي طبيعي أم “كَرب عمل”؟

22 دقيقة ago
​وفاة العاملة “ردينة”: عارضِ صحي طبيعي أم “كَرب عمل”؟

الخبير موسى الصبيحي

​تفتح حادثة وفاة العاملة “ردينة” التي كانت تشغل وظيفة “مساعدة خيّاطة” في أحد مصانع الألبسة بمحافظة عجلون باباً لنقاش قانوني وفنّي معمّق حول بيئة العمل المحلية ومدى مواءمتها لمعايير “العمل اللائق”.

وفقاً لما كتبته الصحفية رزان إبراهيم المومني حول ظروف الأيام الأخيرة للمرحومة، فإن تكييف هذه الحالة قانونياً وضمانياً، من وجهة نظري، يضعنا أمام ثلاثة مسارات رئيسة:

​المسار الأول: الوفاة الطبيعية المحضة:

​يتمثل هذا الاحتمال في تكييف الحادثة على أنها وفاة ناشئة عن حالة مرضية طبيعية بالكامل. وبموجب هذا الفرض، تكون الوفاة طارئة وناتجة عن مسببات صحية لا علاقة لبيئة العمل أو ضغوطاته بها، لا من قريب ولا من بعيد.

​المسار الثاني: بيئة العمل وغياب “العمل اللائق” ومسؤولية إدارة المصنع:

​يستند هذا المسار إلى الرواية التي سردتها الصحفية رزان والتي تشير إلى أن المرحومة “ردينة” كانت تعاني من تعب صحي شديد في يومها الأخير وما قبله، وأنها توجّهت للمسؤول عنها في إدارة المصنع لطلب الحصول على إجازة أو مغادرة، إلا أن طلبها قوبل بالرفض.
​وفي حال ثبوت هذه الواقعة، فإننا نكون أمام إخلال صريح بمنظومة “العمل اللائق”، مما يرتّب مسؤولية قانونية وإدارية على عاتق إدارة المصنع نتيجة تقاعسها عن توفير الحماية والرعاية الطارئة للعاملة.

​المسار الثالث: “كَرب العمل” والاعتراف بالضرر النفسي:

​ينطلق هذا التكييف من رؤية قانونية وإنسانية تنظر إلى الأضرار النفسية والجسدية الناتجة عن بيئات العمل “شديدة التوتر” بأنها لا تقل خطورة عن الحوادث المادية الملموسة.

ويتفرع هذا المسار، في الحالة لدينا، إلى اتجاهين:

– اتجاه يتعلق ب​تكييف كرب العمل كـ “مرض مهني”: وهو توجه ينسجم مع المعايير العالمية؛ إذ أدرجت منظمة الصحة العالمية (WHO) ما يسمى ب “ظاهرة لاحتراق الوظيفي” (Burnout) ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) كظاهرة مهنية، مما يمنح المشرّع أو القضاء أرضية قانونية وفنية للنظر إلى الحالات الصحية الناتجة عن “كرب العمل” كإصابات عمل أو أمراض مهني مكتملة الأركان.

– ​تكييف الحالة كـ “حادث حاد”: ويُطبق هذا في حال كان العامل قد تعرّض لضغط نفسي حاد ومفاجئ أثناء أدائه لعمله أو وجوده في مكان العمل، كالإهانة القاسية أمام زملائه الماسّة بكرامته، أو النجاة من كارثة في موقع العمل ــ وتسبّب ذلك فوراً بأصابته بجلطة أو انهيار عصبي، حيث تتحقق هنا شروط الفجائية والسببية المباشرة لتُعتبر الحالة إصابة عمل.

​بالرغم من أن السبب المتصل بـ “كرب العمل” مقنع ومعمول به عالمياً، إلا أن العقبة الرئيسة تكمن في صعوبة إثبات الرابط السببي من الناحيتين الطبية والقانونية، إذ من الصعب حصر أسباب الضغط النفسي أو الاكتئاب بالعمل وحده، وفصله عن الظروف الشخصية أو الاستعداد الوراثي للعامل.

من هنا لا بد من التأكيد، ونحن ننظر إلى الحالة الماثلة أمامنا، بأن الانتقال، بشكل عام، نحو حماية العامل نفسياً وجسدياً يتطلب ​الوقوف الدقيق على كافة الحيثيات والظروف التي أحاطت بوفاة المرحومة ردينة لضمان تطبيق شروط العمل اللائق بكل صوره وأشكاله. كما لا بد من العمل على ​صياغة وإدخال بروتوكولات طبية صارمة وآليات قياس دقيقة في التشريعات الوطنية، تمكّن الجهات المختصة من الفصل بين الضغط المهني والضغط الشخصي.

​في المحصلة، وبعيداً عن تعقيدات التكييف القانوني وإثبات حالة “كرب العمل” فإن الاستحقاق القانوني المؤكّد للحالة على صعيد الضمان الاجتماعي لن يقل في سياقه الحمائي عن تكييف الحادثة كـ “وفاة طبيعية”، وهو ما يستوجب تخصيص راتب تقاعد الوفاة الطبيعية وتوزيعه كأنصبة مستحقة على ذويها وفقاً لأحكام القانون.

وفي كل الأحوال فإن على وزارة العمل ومؤسسة الضمان الاجتماعي أن تتحرّكا للتحقق والوقوف على كل الحيثيات والظروف وفقاً لما ذكرناه.