بقلم: هشام بن ثبيت العمرو
لم تعد بعضُ منصّاتِ التواصُل الاجتماعي ساحاتٍ للتشجيع الرياضيّ النبيل، بل غدت ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ مواخيرَ لفظيّةً تُستباحُ فيها القِيَم، وتُذبحُ فيها أخلاقُ المنافسة على مذابحِ العصبيّة العمياء. فما نشهده من مقاطعَ مصوّرةٍ ومنشوراتٍ مُسفَّهةٍ وتراشقٍ سوقيٍّ بين بعض المحسوبين على الجماهير الرياضيّة، لا يمتُّ إلى الرياضة بصلة، ولا يمتلك من روح التنافس إلا قشورَه الهزيلة.
لقد انحدرت اللغةُ لدى بعض هؤلاء إلى دركٍ مُزرٍ من الابتذال، حتى باتت الشتيمةُ بديلاً عن الحُجّة، والإسفافُ عوضاً عن الانتماء، وصار التهكّمُ الرخيصُ وسيلةً لحصدِ المشاهدات وإشعالِ الفتن بين أبناء الوطن الواحد. والأسوأ من ذلك أنّ بعض هذه المقاطع تجاوز حدود النقد الرياضي إلى بثِّ سمومِ الكراهية والتلميحاتِ المناطقية والاصطفافاتِ البغيضة التي تُوقظُ نوازعَ العصبيّة الجاهليّة، وتُعيدُ إنتاج خطابٍ مقيتٍ يفتكُ بالنسيج الاجتماعيّ أكثر مما يفتكُ بأيّ نادٍ أو جمهور.
إنّ الرياضة، في أصلها، ميدانُ تهذيبٍ للنفس، وصناعةٌ للروح الجماعيّة، وترسيخٌ لقيم الاحترام والتنافس الشريف، لا حلبةٌ للسباب ولا مستنقعٌ للتخوين والتنمّر. وما يحدث اليوم يُنذرُ بانزلاقٍ خطيرٍ نحو ثقافةٍ غوغائيّةٍ تُشرعنُ الانحطاط وتُكافئُ التفاهة وتُحوّلُ المدرّجات الافتراضيّة إلى مواسمَ للفتنة والاحتقان.
وهنا يبرز سؤالٌ مشروعٌ لا يجوز الالتفافُ حوله: أين دورُ الاتحاد الأردني لكرة القدم وسائر المؤسّسات الرياضيّة من هذا العبث المُتفاقم؟ وأين اللوائحُ الرادعة والعقوباتُ الزاجرة بحقّ كلّ من يُسيء للرياضة الأردنيّة ويُحوّلها إلى منصّةٍ للانقسام والاحتقان؟ إنّ الصمتَ أمام هذا الانفلات ليس حياداً، بل تواطؤٌ غير مباشر مع حالةِ التردّي الأخلاقيّ التي تتغذّى يوماً بعد يوم على غياب الحزم والمساءلة.
كما أنّ على الحكومة أن تُدرك أنّ ما يُبثّ عبر هذه المنصّات ليس “مزاحاً جماهيرياً” كما يحلو للبعض توصيفه، بل خطابٌ قابلٌ للاشتعال المجتمعيّ، وقد يتحوّلُ في لحظةِ احتقان إلى شرارةِ فوضى تُهدّدُ السلم الأهليّ. ومن هنا، فإنّ الحاجة باتت ماسّة إلى تشريعاتٍ صارمةٍ تُغلّظُ العقوبات على كلّ خطابٍ تحريضيّ أو مناطقيّ أو عنصريّ يُمارَس تحت عباءة التشجيع الرياضيّ، فلا يُعقل أن تُتركَ هيبةُ الدولة وأمنُ المجتمع رهينةَ حفنةٍ من صُنّاع الضجيج الرقميّ ومُروّجي السَّفَه الجماهيريّ.
إنّ المناكفات الرياضيّة حين تتجاوز حدود المنافسة إلى التحريض والإهانة والتلويح بالهويّات الفرعيّة، فإنّها تتحوّلُ إلى شكلٍ خسيسٍ من أشكال العنصريّة المقنّعة، مهما حاول أصحابُها تجميلها بشعارات التشجيع والانتماء. فالرياضة التي تُفرّق بين أبناء الوطن ليست رياضة، والتشجيع الذي يُنتج الأحقاد ليس انتماءً، والجمهور الذي يُصفّق للإساءة إنما يُشارك ـ بوعيٍ أو بجهل ـ في تقويض القيم التي قامت عليها فكرةُ الرياضة ذاتها.
إنّ الأردن، بتاريخِه ورمزيّتِه ووحدةِ نسيجه الوطنيّ، أكبرُ من أن يُختزل في مقطعٍ هابط أو هتافٍ منحطّ أو مشاحنةٍ إلكترونيّةٍ عفنة. وما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الوقود لصراعات المدرّجات، بل مشروعٌ أخلاقيّ يعيدُ للرياضة الأردنيّة هيبتها، وللجماهير وعيها، وللمنافسة معناها النبيل.






