كتبت شيرين قسوس : الجنوب عقيدة

ساعتين ago
كتبت شيرين قسوس : الجنوب عقيدة

بقلم شيرين قسوس
في كل جولة من جولات الحرب على لبنان، يتكرّس مشهد يكاد يكون ثابتًا: جنوبٌ يقف على الحافة، يشتبك مع آلة عسكرية متفوقة، لكنه لا ينكسر. هذا الثبات لا يمكن فهمه فقط من زاوية عسكرية أو تكتيكية، بل هو نتاج عقيدة متجذّرة في وجدان أهل الجنوب، عقيدة تمزج بين الانتماء للأرض، والذاكرة الجماعية المثقلة بالاجتياحات، والإحساس المستمر بأنهم خط الدفاع الأول عن الكرامة الوطنية.
الجنوب اللبناني ليس مجرد جغرافيا حدودية، بل هو حالة سياسية واجتماعية خاصة. عبر عقود من الصراع مع إسرائيل، تشكّل وعي جمعي يرى في المقاومة خيارًا وجوديًا لا ترفًا سياسيًا. من هنا، لا تبدو البيئة الحاضنة لـ حزب الله مسألة ظرفية أو مفروضة، بل امتداد طبيعي لهذا الوعي. فالحزب لم ينشأ في فراغ، بل تبلور داخل مجتمع اختبر الاحتلال بشكل مباشر، ودفع أثمانًا باهظة من دمه وبيوته واستقراره.
شجاعة أهل الجنوب لا تكمن فقط في حمل السلاح أو دعم من يحمله، بل في قدرتهم على التكيّف مع واقع دائم التهديد. الحياة هناك تُبنى تحت ظل احتمالات الحرب، ومع ذلك تستمر. الزراعة، التعليم، الأعراس، وحتى تفاصيل الحياة اليومية، كلها تُمارس بإصرار لافت، كأنها فعل مقاومة موازٍ. هذه القدرة على التعايش مع الخطر دون الاستسلام له، هي أحد أسرار الصمود التي غالبًا ما يغفلها التحليل السياسي التقليدي.
الخطاب الذي يختزل الجنوب في كونه مجرد قاعدة دعم عسكري يغفل البعد الأعمق: نحن أمام مجتمع يرى في المقاومة جزءًا من هويته، لا مجرد أداة. وهذا ما يفسر الالتفاف الشعبي الواسع حول حزب الله، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية والسياسية التي يمر بها لبنان. فبالنسبة لكثيرين هناك، المسألة ليست خيارًا بين السلم والحرب، بل بين الكرامة والانكشاف.
ومع ذلك، هذا الواقع ليس بلا تعقيد. فاستمرار التوتر يجعل الجنوب ساحة مفتوحة، ويدفع أثمانًا متكررة من بنيته التحتية وأمنه الاجتماعي. لكن مفارقة الجنوب تكمن هنا تحديدًا: كلما اشتدت الضغوط، تعمّق الشعور بضرورة التمسك بالخيار الذي يعتقدون أنه حماهم تاريخيًا. إنها دائرة مغلقة من التهديد والصمود، يغذي كل طرف فيها الآخر.
التحليل الحاد لهذا المشهد يقود إلى خلاصة واضحة: لا يمكن التعامل مع الجنوب اللبناني كملف أمني فقط، ولا يمكن فصل قوّة حزب الله عن عمقه الاجتماعي. فالقضية هناك ليست مجرد سلاح، بل بيئة تؤمن به، وتعيد إنتاجه فكريًا وثقافيًا. وهذه البيئة، بكل ما تحمله من شجاعة وتضحيات، هي العامل الحاسم الذي يجعل أي مواجهة مع الجنوب مختلفة، ومعقّدة، ومفتوحة على احتمالات لا تحكمها موازين القوة التقليدية وحدها.