قاسم العمرو
تعيش منطقة الخليج لحظة بالغة الحساسية، حيث تتقاطع فيها حسابات القوة مع رهانات السياسة، وتتصاعد فيها لغة الشروط إلى حد ربط وقف التصعيد بما يشبه “الاستسلام السياسي”. في هذا السياق، تبدو إيران عالقة بين خطاب خارجي يبالغ في إظهار الصلابة، وواقع داخلي يفرض عليها حسابات أكثر تعقيدًا وحذرًا.
لقد نجحت طهران، على مدار سنوات، في بناء صورة قوة إقليمية قادرة على التأثير في مسارات متعددة، من خلال أدوات غير تقليدية، وشبكات نفوذ ممتدة، وبرنامج عسكري مثير للجدل. غير أن هذه “القوة” تصطدم اليوم بجدار الداخل: اقتصاد مثقل بالعقوبات، مجتمع يئن تحت الضغوط المعيشية، ونخب سياسية تدرك أن استمرار النهج ذاته قد يقود إلى تآكل تدريجي في شرعية النظام.
في المقابل، تطرح الولايات المتحدة مقاربة تقوم على تحقيق مكسب حاسم، ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا، عبر فرض شروط قاسية تُترجم عمليًا إلى تقليص نفوذ إيران الإقليمي وإعادة تشكيل سلوكها الاستراتيجي. هذه المقاربة، وإن بدت منسجمة مع منطق القوة، إلا أنها تصطدم بتعقيدات الواقع؛ إذ إن دفع الخصم إلى الزاوية قد لا يؤدي دائمًا إلى استسلامه، بل ربما إلى مزيد من التشدد.
أما على طاولة التفاوض، فتبدو الصورة أشبه بحل معادلة معقدة متعددة المتغيرات. إيران تسعى إلى رفع الحصار الاقتصادي الذي يستنزف قدراتها، لكنها في الوقت ذاته تحاول تقديم تنازلات محسوبة، لا تُظهرها بمظهر المنكسر أمام جمهورها الداخلي. في حين تسعى واشنطن إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب دون الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة وغير مضمونة النتائج.
هذا التناقض في الأهداف يفسر تعثر المسار التفاوضي؛ فكل طرف يريد نتيجة نهائية مختلفة، بينما الوقت يعمل كعامل ضغط إضافي. فهل تعود الولايات المتحدة إلى خيار التصعيد العسكري؟ أم تُبقي على سياسة “الخنق البطيء” عبر تشديد العقوبات، رهانًا على تفكك الداخل الإيراني؟
السيناريو الأول—أي استئناف العمليات العسكرية—يحمل مخاطر توسع الصراع إقليميًا، وهو خيار تدرك واشنطن كلفته العالية، خاصة في ظل بيئة دولية مضطربة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على استنزاف طويل الأمد، قد ينجح في إضعاف إيران اقتصاديًا، لكنه لا يضمن بالضرورة تغييرًا سياسيًا سريعًا، بل قد يعزز خطاب “الصمود” داخلها.
في الداخل الإيراني، يدرك صانع القرار أن التحدي الحقيقي لم يعد خارجيًا فقط، بل داخليًا بامتياز. لذلك، قد يتجه التفكير نحو “تسوية ذكية” تحفظ الحد الأدنى من الهيبة السياسية، وتفتح في الوقت ذاته نافذة لتخفيف الضغوط الاقتصادية. هذه التسوية، إن وُجدت، لن تكون انتصارًا كاملًا لأي طرف، بل مخرجًا اضطراريًا من مأزق متفاقم.
في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تحويل “وهم القوة” إلى توازن واقعي بين الداخل والخارج؟ أم أن الإصرار على خطاب التحدي سيعمّق أزمتها ويجعلها أكثر عرضة للضغوط؟
يبقى السؤال مفتوحًا: في صراع الإرادات هذا، من يملك النفس الأطول—القوة العسكرية أم القدرة على الصمود الداخلي؟






