وطنا اليوم _
بقلم حسن علي الزوايده
إلى من يعتقدون أن هذا الوطن وليد صدفة، وأنه بلا جذورٍ ضاربة في عمق التاريخ، نقول: إن كل قريةٍ في الأردن تحمل بين حجارتها حكاية، وبين سهولها ووديانها ذاكرة لا تموت. نسرد اليوم عن قرية تُدعى أبو ترابة في محافظة الكرك، تلك البقعة الهادئة التي تختبئ خلف بساط البادية وهدوء الريف، لكنها في حقيقتها صفحة من كتاب التاريخ الأردني.
لم تكن أبو ترابة مجرد تجمع سكاني عابر، بل كانت جزءًا من مسار حضاري مرّ عبر جنوب الأردن، حيث شكّلت مناطق الكرك على مر العصور حلقة وصل بين الشمال والجنوب، وبين الجزيرة العربية وبلاد الشام. وفي ظل هذا الامتداد، عرفت المنطقة حركة القوافل والتجارة، كما شهدت تحولات سياسية منذ العصور النبطية، مرورًا بالعهدين الروماني والبيزنطي، ثم الفتح الإسلامي الذي أعاد صياغة الهوية العربية الإسلامية للمنطقة.
ومع قيام الدول الإسلامية المتعاقبة، بقيت أرض الكرك، وما حولها من قرى مثل أبو ترابة، شاهدة على صمود الإنسان الأردني في وجه تقلبات الزمن. ففي العهد الأيوبي والمملوكي، تعززت أهمية الكرك كموقع استراتيجي، خاصة مع وجود قلعة الكرك التي كانت حصنًا منيعًا يحمي طرق التجارة والحج، ويعكس القوة السياسية والعسكرية في تلك الحقبة.
أما في العهد العثماني، فقد استقرت العشائر في هذه المناطق، ومنها عشائر سكنت أبو ترابة، وأسهمت في إعمار الأرض وزراعتها، معتمدة على نمط حياة يجمع بين البداوة والاستقرار. ومع بدايات القرن العشرين، ومع قيام إمارة شرق الأردن بقيادة الملك عبدالله الأول بن الحسين، دخلت هذه القرى مرحلة جديدة من البناء الوطني، حيث أصبح أهلها جزءًا من مشروع الدولة الحديثة، يشاركون في الجيش، والتعليم، وخدمة المجتمع.
إن أبو ترابة، رغم صغرها، تمثل صورة مصغرة عن الأردن كله: أرضٌ صلبة، وإنسانٌ صابر، وتاريخٌ لا يُختزل في كتب، بل يُروى في وجوه الناس وحكاياتهم. هنا، في هذه القرية، كما في غيرها من قرى الوطن، تتجسد معاني الانتماء الحقيقي، حيث لا يُقاس الوطن بحجمه، بل بعمق جذوره وصدق أبنائه.
وهكذا، يبقى الأردن، من شماله إلى جنوبه، ومن مدنه إلى قراه، وطنًا كُتب تاريخه بحبر الكرامة، وحُفظت حكاياته في ذاكرة المكان والإنسان






