الخبير موسى الصبيحي
بالرغم من أن التقاعد المبكر يشكّل ضغطاً على المركز المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي، ويسهم في تسريع وصول النظام التأميني إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والنفقات. إلا أن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن يكون بالتوجه نحو الإلغاء الكلي لهذا النوع من التقاعد، ما يعكس نظرة أحادية الجانب للموضوع، ويتجاهل الدور الجوهري للضمان كأداة استقرار اجتماعي مهمة.
إن إلغاء مسار التقاعد المبكر سيؤدي إلى سلسلة من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
أولاً: اختلالات في سوق العمل والحماية الاجتماعية:
خلق “فئة المعلقين” وظيفياً: سيجد الآلاف ممن فقدوا وظائفهم في سن الخمسين مثلاً أنفسهم خارج مظلة الحماية؛ فهم “مرفوضون” في سوق العمل نظراً لسنهم المتقدم، و”محرومون” قانوناً من راتب التقاعد نظراً لسنّهم المبكر، مما يحولهم إلى معضلات اجتماعية مؤرقة.
ثانياً: استنزاف “صندوق التعطل”: سيتحول تأمين التعطل عن العمل من وسيلة “إسناد مؤقت” إلى “راتب بديل” دائم للمتعطلين فوق سن معينة، ما سيؤدي إلى تبخّر موجودات الصندوق وعجزه عن أداء دوره التكافلي مستقبلاً.
ثالثاً: إضعاف السيولة الاستثمارية للضمان: يعتمد صندوق استثمار أموال الضمان على فوائض تأمين التعطل (التي تزيد على 50 مليون دينار سنوياً) إذ أن الاضطرار لتوجيه هذه المبالغ لتمويل بدلات التعطل الطويلة يعني حرمان الاقتصاد الوطني من استثمارات محفزة للنمو.
رابعاً: التكلفة الصحية والاجتماعية: من خلال تعريض السلامة المهنية للخطر للعاملين في قطاعات المهن الخطرة، إذ يعد التقاعد المبكر ضرورة “بيولوجية” قبل أن يكون مسألة قانونية، وإلغاؤه يعني إجبار عمال أُنهِكَت أجسادهم على العمل، ما يؤدي بالضرورة إلى رفع فاتورة إصابات العمل والوفيات المهنية.
خامساً: توسيع فجوة الفقر المعيشي: الراتب التقاعدي هو صمام الأمان الذي يحمي الأسر من الانزلاق تحت خط الفقر، وغياب الراتب يعني انتقال العبء المالي مباشرة إلى الصناديق الخيرية وصناديق المساعدات، أي ترحيل العجز من مؤسسة الضمان إلى موازنة الدولة العامة.
سادساً: الضغط على مسار “تقاعد العجز”: سيؤدي إغلاق باب التقاعد المبكر إلى دفع المشتركين قسراً نحو محاولة الحصول على “تقاعد اعتلال العجز”، ما سيرهق مؤسسة الضمان ولجانها الطبية ويزيد من حالات الضغط وربما التحايل وإضاعة وقت اللجان ورفع كلف المراجعات والتقارير الطبية.
سابعاً: التأثير على الحياة الكريمة للمواطن: حيث سيؤدي إلغاء التقاعد المبكر إلى التأثير على مسار المواطن للوصول إلى أمن الدخل عبر راتب التقاعد، ما سيُقلّل من أعداد الأردنيين الحاصلين على التقاعد، وهو ما يؤثر سلباً على مستقبل حياتهم وأفراد أسرهم، وهذا يتنافى مع سعى الدولة لتوفير حياة كريمة لمواطنيها.
ثامناً: إضعاف الثقة والميل للتهرب التأميني: فالميزة التنافسية للنظام التأميني لمؤسسة الضمان الاجتماعي هي “الأمان المتاح”، وإلغاء خيار التقاعد المبكر كلياً سيفقد النظام جاذبيته، مما يشجع المنشآت والأفراد على “التهرب” من الشمول، وهو ما يقلص إيرادات المؤسسة بدلاً من زيادتها.
تاسعاً: إضعاف الاشتراك الاختياري: تشجّع مؤسسة الضمان على الاشتراك الاختياري ولا سيما للأردنيين المغتربين، وإلغاء ميزة التقاعد المبكر سيجعل كلفة الاشتراك الاختياري غير مجدية اقتصادياً لهم، مما يؤدي لانسحاب قطاع واسع من المشتركين.
عاشراً: انكماش القوة الشرائية في السوق المحلي: الرواتب التقاعدية هي “وقود” للحركة التجارية اليومية، وإضعافها سيؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي، مما يسهم في حالة الركود الاقتصادي.
أخيراً: إيقاف الإحالة القسرية للمبكر يعيد التوازن للنظام التأميني: فبدلاً من أي توجه مباشر أو غير مباشر لإلغاء التقاعد المبكر، يُفترَض ضبط التقاعد المبكر من خلال الالتزام بالمسؤولية المؤسسية في مواجهة “الإحالة القسرية” إلى التقاعد المبكر بكل أشكالها. فقد بدأت الأزمة الحقيقية للتقاعد المبكر من نهج وسياسات في القطاع الحكومي والقطاع العام باستخدام التقاعد المبكر كأداة لـ “التخلص الوظيفي” من الكوادر. الحل يبدأ بوقف هذا النهج كلياً وبشكل فوري فإذا توقفت “الإحالات القسرية”، سيستعيد النظام التأميني توازنه تلقائياً دون الحاجة لإلغاء التقاعد المبكر من نصوص القانون. إذ إم وقف سياسة الإحالة القسرية وتطوير حوافز للبقاء في العمل بعد سن المبكر هو السبيل الوحيد لضمان مصلحة النظام التأميني ومصلحة المؤمّن عليه معاً.






