الأستاذة الدكتورة أماني غازي جرار
منتدى الفكر العربي
يأتي يوم العلم في السادس عشر من نيسان من كل عام، لا بوصفه مناسبةً احتفاليةً عابرةً يُكتفى فيها بمظاهر الاحتفاء الرمزي، بل بوصفه لحظةً وجوديةً كثيفةً تستدعي استحضار المعنى العميق الذي يتجاوز حدود الشكل إلى فضاء الدلالة. فالعلم الأردني، في جوهره، ليس مجرد رمزٍ بصريٍّ يُعلَّق على الساريات، بل هو بنيةٌ رمزيةٌ متكاملةٌ تختزن سرديةً وطنيةً ممتدةً، وتكثّف تاريخاً من التشكّل السياسي والوعي الحضاري، وتعيد إنتاج فكرة الوطن بوصفه كياناً معنويّاً قائماً في الوجدان قبل أن يكون حضوراً مادياً على الأرض.
إن النظر إلى العلم من زاويةٍ تحليليةٍ عميقةٍ يكشف عن كونه نصّاً بصريّاً مفتوحاً على التأويل، تتقاطع فيه طبقات المعنى بين التاريخ والهوية والمستقبل. فالألوان التي يتكوّن منها ليست محض اختيارٍ جمالي، بل امتداداتٌ لحقبٍ حضاريةٍ عربيةٍ شكّلت الوعي الجمعي، وجعلت من العلم مرآةً لذاكرةٍ لا تزال فاعلةً في تشكيل الحاضر. أما المثلث الأحمر، بما يحمله من دلالة الثورة العربية الكبرى، فإنه لا يُحيل إلى حدثٍ تاريخيٍّ منغلقٍ في الماضي، بل إلى فكرة النهوض والتحرر التي ما تزال تُلهم الحاضر وتدفعه نحو استعادة المعنى.
غير أن القيمة العميقة للعلم لا تقف عند حدود رمزيته التاريخية، بل تتجاوزها إلى قدرته على إنتاج المعنى في الزمن الراهن. فالعلم، في لحظة رفعه، لا يكتفي بالإشارة إلى ما كان، بل يستدعي سؤالاً وجوديّاً جديداً: كيف نكون جديرين بهذا الرمز؟ وكيف يتحول من علامةٍ مرفوعةٍ في الفضاء إلى قيمةٍ متجذرةٍ في السلوك؟ هنا يتبدّى يوم العلم بوصفه لحظة مساءلةٍ جماعيةٍ، يُعاد فيها تعريف العلاقة بين المواطن والوطن على أسسٍ من الوعي والمسؤولية.
إن الاحتفاء بالعلم هو، في أحد أعمق أبعاده، احتفاءٌ بفكرة الدولة بوصفها منظومةً أخلاقيةً قبل أن تكون إطاراً سياسياً. فالعلم لا يرمز إلى حدودٍ جغرافيةٍ فحسب، بل إلى عقدٍ معنويٍّ غير مكتوبٍ يقوم على الالتزام المتبادل بين الدولة والمجتمع. وهو، بهذا المعنى، تعبيرٌ عن قيم الانتماء والكرامة والعدالة، وعن تلك الرابطة التي تجعل من الفرد شريكاً في صناعة المصير لا مجرد متلقٍّ لنتائجه.
وفي السياق الأردني، يكتسب العلم دلالةً خاصةً تتصل بطبيعة التجربة الوطنية ذاتها. فالأردن، بوصفه دولةً نشأت في سياقٍ إقليميٍّ معقدٍ، استطاع أن يرسّخ نموذجاً قائماً على الاعتدال والتوازن، وأن يحافظ على استقراره في بيئةٍ مضطربةٍ. ومن هنا، فإن العلم الأردني لا يمثّل فقط هويةً وطنيةً، بل يجسّد أيضاً رؤيةً سياسيةً وثقافيةً تقوم على الوسطية والانفتاح، وعلى الإيمان بقدرة الإنسان على التعايش وصناعة المعنى في ظل التحديات.
غير أن هذا المعنى يظل مهدّداً إذا ما تم اختزال العلم في بعده الشكلي، وتحويله إلى مجرد شعارٍ احتفاليٍّ يُستحضر في المناسبات ثم يُغيب في الحياة اليومية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في رفع العلم، بل في تجسيده في الفعل اليومي، في الالتزام، في الإتقان، في احترام القانون، وفي الإسهام في بناء مجتمعٍ أكثر عدلاً وتماسكاً. فالعلم، في جوهره، لا يُرفع باليد وحدها، بل يُرفع بالسلوك.
ومن زاويةٍ فلسفيةٍ أعمق، يمكن النظر إلى العلم بوصفه تمثيلاً بصريّاً لفكرة الوجود الجمعي، حيث ينتقل الإنسان من حالة الفردية الضيقة إلى فضاء الانتماء الواسع. إنه إعلانٌ مستمرٌّ بأن الوجود لا يكتمل إلا بالمشاركة، وأن الهوية لا تُبنى إلا بالتفاعل، وأن الوطن ليس معطىً جاهزاً بل مشروعٌ مستمرٌّ في التشكّل. وفي هذا الإطار، يصبح يوم العلم مناسبةً لإعادة طرح السؤال الجوهري: ماذا يعني أن ننتمي؟ وكيف يتحول هذا الانتماء من شعورٍ داخليٍّ إلى ممارسةٍ واعيةٍ في الواقع؟
كما يحمل العلم بُعداً تربويّاً بالغ الأهمية، إذ يشكّل أحد أبرز أدوات بناء الوعي الوطني لدى الأجيال. فحين يُقدَّم بوصفه قصة وطنٍ وتاريخ أمة، فإنه يغدو مدخلاً لغرس القيم وتعزيز الإحساس بالمسؤولية. أما حين يُختزل في ممارساتٍ شكليةٍ متكررةٍ، فإنه يفقد قدرته على التأثير، ويتحوّل إلى عادةٍ خاليةٍ من الروح.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتداخل فيه الهويات، يظل العلم أحد الثوابت القليلة التي يمكن أن تشكّل نقطة ارتكازٍ للمعنى. فهو لا يتغير بتغير السياقات، بل يحتفظ بقدرته على توحيد الوجدان، واستحضار المشترك، وإعادة بناء الثقة بالمستقبل. ومن هنا، فإن الحفاظ على رمزيته لا يكون بتكرار الاحتفاء به، بل بإعادة إنتاج معناه في ضوء تحديات الحاضر.
إن يوم العلم في الأردن ليس مجرد ذكرى سنوية، بل هو دعوةٌ مفتوحةٌ لإعادة التفكير في معنى الوطن، وفي طبيعة العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وفي الدور الذي يمكن أن يؤديه كل فردٍ في صياغة الحاضر واستشراف المستقبل. وهو، في جوهره، لحظة وعيٍ جماعيٍّ تتجدد فيها الصلة بين الرمز والمعنى، بين التاريخ والفعل، بين الانتماء والمسؤولية.
وفي الختام، يبقى العلم أكثر من مجرد رايةٍ تُرى، إنه فكرةٌ تُعاش، وقيمةٌ تُمارس، ورسالةٌ تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل. ويوم العلم، بما يحمله من دلالات، ليس احتفاءً بالماضي فقط، بل التزاماً بالحاضر، ورهاناً على المستقبل، في مسارٍ مستمرٍّ نحو بناء وطنٍ أكثر تماسكاً ووعياً وقدرةً على أن يكون.






