د. عادل يعقوب الشمايله
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجيه
يلاحظُ المتابعُ للتحليلات الصادرة عن الجانب الأمريكي، من أكاديميين وخبراء عسكريين وسياسيين سابقين، الذين تناولوا ويتناولون مسار ومضاعفات والنتائج المتوقعة للقطيعة الدبلوماسية الطويلة، والمواجهة السياسية وصولًا للمصادمات العسكرية بين أمريكا وإيران، أنهم يكررون المقارنة بين البعد الزمني للتاريخ السياسي والحضاري للشعوب الإيرانية من جهة، والدولة الأمريكية الطارئة على التاريخ والجغرافيا من جهة أخرى. ويؤكدون على أن توقعات البيت الأبيض لنتائج المواجهة والاشتباك قد تجاهلت ثقل وخطر تاريخ يمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، شهدت ميلاد الكتابة وميلاد الحضارة بشقيها الثقافي والتقني (الأدواتي) في إيران، في مقابل القفزة والطفرة الأمريكية المنتشية بشبابها والمتعامية عن مراهقتها.
المقارنة بين دولة أصبح معظم الزمن خلفها وبعضه لا زال أمامها، ودولة تسعى لأن يبقى بعض من الزمن أمامها حتى ولو عاكست عوامل الاستقرار والبقاء. مائتا عام عمر الولايات المتحدة تعادل ساعة من اليوم الإيراني، مع التسليم بأهمية بل وعظم ما أنتجه وقدمه المجتمع الأمريكي للعالم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والطب والغذاء والأدب والفنون. الولايات المتحدة لا زالت في عمر الزهور. أما إيران الشجرة الهرمة، فإن جذورها تضرب في أعماق الأرض، تبحث عن مقومات بقاء، عاصرت ذبول الزهور عامًا بعد عام، ولا زالت هي قائمة على ساقها تحمل بعض الأوراق الخضراء.
ترتب على هذه المقارنة تولد قناعتين لدى المحللين:
القناعة الأولى: أن الإيرانيين مفاوضون محنكون، ماهرون في المراوغة والكر والفر، والتقدم والتراجع. يتمتعون بنَفَسٍ طويل وخبرة جمعية مؤسساتية في فنون التفاوض والدبلوماسية وفض النزاعات. مستعدون للتفاوض سنين دون كلل ولا ملل، مما يجعل التوصل معهم إلى اتفاق رضائي مُرضٍ للجانب الأمريكي والإسرائيلي مجرد حلم بعيد المنال.
القناعة الثانية: أن الإيرانيين شعبًا وجيشًا مقاتلون عقائديون شرسون لا يخشون الموت، مستعدون للتضحية ولتحمل الضربات التدميرية مهما بلغت أضرارها وشراستها، وأن عنف الضربات لا يقلل من حبهم لوطنهم ولن يدفعهم للاستسلام حتى لو كرهوا حكم المرشد والملالي الفاسدين المستبدين، وأن الملالي لا يبالون بعدد الضحايا وحجم الدمار ثمنًا لبقاء سيطرتهم.
هاتان القناعتان الطارئتان على التقييم السياسي الأمريكي ولدتا الشعور بصعوبة الانتصار على إيران وإجبارها على القبول بالمطالب الأمريكية والإسرائيلية بالتخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، لأنه سيعري أمنها القومي. لذلك فإن البديل المتاح أمام أمريكا هو الاكتفاء بإضعاف إيران نسبيًا لاحتوائها، والوصول إلى تفاهمات وشراكات معها وتقاسم الغنائم العربية.
في حال تواصل بث هذه التحليلات والآراء من خلال المقابلات على القنوات التلفزيونية وكتابة المقالات في الصحف وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لا بد أن يكون له أثر بالغ وخطر على الوعي العام والرأي العام للشعب الأمريكي، مما سيشكل صدمة للغطرسة والتعالي التي اعتاد عليها الساسة والشعب في الولايات المتحدة تجاه الشعوب الأخرى، كجزء من ثقافة الكاوبوي، ولا زالت تغذيها القوة العسكرية والاقتصادية المتفوقة. وسيترتب على الصدمة شيوع الوهن وتراجع وتيرة الاندفاع العدواني وشهوة الهيمنة والنهب لموارد الشعوب الأخرى، وتشجيع دول العالم المغتاظة من سلوكيات السلطات الأمريكية على تحديها وتجاهل أوامرها ومقابلة تنمرها بتنمر يضر بالمصالح الأمريكية ويقلص نفوذها.
الوهن المتوقع في الساحة الأمريكية يعيد إلى الذاكرة حالة الوهن التي اجتاحت الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية مع بدايات الفتوحات الإسلامية. فقد توصل قادة الدول المحيطة بالجزيرة العربية بعد صدمة المعارك الأولى إلى قناعة مفادها: أن المسلمين ليس فقط لا يخشون الموت، بل إنهم يحبون الموت ويسعون إليه قدر ما يحب خصومهم الحياة ويطلبونها ويستزيدون منها. وقد ترجمت الجيوش الإسلامية في ميادين المعارك هذا الانطباع.
المسموعات عن الجيوش الإسلامية التي صدقتها الخبرة العملية ترجمت الحديث المنسوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام “نصرت بالرعب مسافة شهر”، إلى حد أن استبد اليأس من إمكانية منع المسلمين من الانتصار، فكيف بهزيمتهم وردهم على أعقابهم إلى صحارى الجزيرة العربية. الإحساس بالرهبة والرعب عند الخصوم سهّل على جيوش المسلمين الانتصار في المعارك ودحر خصومهم والاستيلاء على أراضيهم.
الحالة الإيرانية تفرض على الدول العربية أن تقيم وضعها، وأن ترسم وتتبنى استراتيجية لمواجهة نتائج المواجهة السياسية والعسكرية بين أمريكا وإيران.
وحيث أصبح التاريخ عاملًا من عوامل رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فإن العرب على المشرحة، يتعرضون لنفس أدوات التشريح التي تعرضت لها إيران. أي سيتم مراجعة وتقييم تاريخهم السياسي وأثره على حاضرهم ومستقبلهم. وهنا يبرز السؤال: هل سيُثبت التقييم الأمريكي أن العرب شجرة أيضًا كشجرة إيران؟ شجرة قاومت رياح الصحراء وجفافها والموجات الباردة القادمة من الشمال والغرب وبقيت حية قائمة على ساقها تحمل أوراقًا خضراء على أغصانها، أم أنهم مجرد عشب ونجم موسمي تأكله الإبل وتمضي.
على العرب أن يتجهزوا لعواقب أن يكتشف المحللون أنه لا تاريخ سياسي للعرب قبل عهد الرسول، وأن تاريخهم السياسي نشأ وقوي وازدهر في عهده وبعده لمدة قرنين ونصف، ثم تراخى وتراجع بعد ذلك وانعدم. كانت المملكتان الأموية والعباسية حالتين استثنائيتين في تاريخ العرب السياسي والاجتماعي والعلمي، الذي لم يعش طويلًا قبل أن يُدفن تحت كثبان وركام الغزاة والانقلابيين، بدءًا من التتار مرورًا بالسلاجقة والمماليك والصليبيين والأيوبيين والأتراك العثمانيين والاستعمار الأوروبي البريطاني الفرنسي الإيطالي، والذي لا زال يحكم العالم العربي من وراء ستار من خلال الانقلابيين الذين استولوا على الحكم وحكموا ويحكمون بالجهالة والتجهيل والمراهقة السياسية والمراجل المرتجلة والتفرقة بين الشعوب العربية ورفع الشعارات الطنانة ونشر مظلة “الرعب والخور واليأس” من جدوى المقاومة. وكأن جنود المارينز وجيش العدوان الصهيوني هم القضاء والقدر.






