عزوف الشباب عن الزواج… أزمة جيل أم إنذار مجتمع؟

12 أبريل 2026
عزوف الشباب عن الزواج… أزمة جيل أم إنذار مجتمع؟

بقلم : الباحث في حقوق الانسان / رئيس جمعية اسناد للديمقراطيه وحقوق الانسان  هشام محمد المصري

في السنوات الأخيرة، باتت ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي تفرض نفسها على طاولة النقاش في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع الأردني. لم يعد الأمر مجرد حالات فردية، بل تحوّل إلى اتجاه عام يحمل في طياته أبعادًا اقتصادية ونفسية وثقافية تستدعي الوقوف عندها بوعي ومسؤولية.
أولاً: بين الواقع الاقتصادي وضغوط الحياة
لا يمكن الحديث عن عزوف الشباب دون التطرق إلى التحديات الاقتصادية الخانقة. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتضخم المهور، وغلاء تكاليف السكن، وضعف فرص العمل، كلها عوامل تجعل من الزواج مشروعًا مؤجلًا أو حتى مستحيلًا في نظر كثير من الشباب.
الشاب اليوم لا يخشى الزواج بقدر ما يخشى الفشل فيه، ويخاف من أن يبدأ حياة لا يستطيع الاستمرار بها بكرامة.
ثانيًا: تحوّلات فكرية وثقافية
شهدت القيم الاجتماعية تغيرات ملحوظة؛ ففكرة الزواج لم تعد أولوية مطلقة كما كانت في السابق. بعض الشباب بات يرى أن تحقيق الذات، وبناء المستقبل المهني، والسفر، والاستقلال الشخصي، أولى من الارتباط المبكر.
كما أن الانفتاح الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي رسمت صورًا مثالية وغير واقعية للحياة الزوجية، مما رفع سقف التوقعات وأدى إلى الإحباط والخوف من التجربة.
ثالثًا: الخوف من المسؤولية وفشل النماذج
كثير من الشباب نشأ في بيئات شهدت خلافات أسرية أو حالات طلاق، مما كوّن لديهم صورة سلبية عن الزواج. هذا الخوف المتراكم من الفشل أو تكرار التجارب المؤلمة جعلهم يترددون في خوض هذه الخطوة.
فالزواج لم يعد يُنظر إليه كاستقرار، بل كـ”مغامرة غير مضمونة النتائج”.
رابعًا: دور المجتمع والأسرة
لا يمكن إغفال دور المجتمع في تعقيد هذه الظاهرة، من خلال المغالاة في المهور، والتمسك بالعادات المكلفة، والضغط الاجتماعي الذي يثقل كاهل الشباب.
كما أن بعض الأسر تضع شروطًا تعجيزية، مما يحوّل الزواج من مشروع بناء إلى صفقة معقدة.
خامسًا: التأثيرات المستقبلية
استمرار عزوف الشباب عن الزواج يحمل آثارًا بعيدة المدى، مثل انخفاض معدلات الإنجاب، وتفكك البنية الاجتماعية، وارتفاع معدلات الوحدة والاكتئاب، إضافة إلى تغير شكل العلاقات داخل المجتمع.
رسالة إلى المجتمع: الحل يبدأ من الوعي
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بلوم الشباب، بل بفهم واقعهم والعمل على دعمه. المطلوب اليوم:
تخفيف الأعباء المادية المرتبطة بالزواج
نشر ثقافة الزواج البسيط
تأهيل الشباب نفسيًا واجتماعيًا للحياة الزوجية
تعزيز دور المؤسسات في دعم المقبلين على الزواج
إعادة بناء صورة واقعية ومتوازنة عن الزواج
خاتمة:
عزوف الشباب عن الزواج ليس تمردًا على القيم، بل صرخة صامتة تعكس حجم التحديات التي يعيشها هذا الجيل. وإذا لم يتحرك المجتمع بمؤسساته وأفراده لإيجاد حلول حقيقية، فقد نجد أنفسنا أمام أزمة اجتماعية أعمق تهدد استقرار الأسرة، التي هي أساس بناء الأوطان.
“حين يصبح الزواج حلمًا مؤجلًا… فاعلم أن المجتمع بحاجة إلى مراجعة حقيقية.”