المسؤولية الاجتماعية… رفيق الحريري نموذجًا(١)

ساعة واحدة ago
المسؤولية الاجتماعية… رفيق الحريري نموذجًا(١)

أ.د. مصطفى عيروط

تُعدّ المسؤولية الاجتماعية من أهم القيم التي يجب أن يتحلى بها رجال الدولة ورجال الأعمال، لأنها تعكس إيمانهم الحقيقي بدورهم تجاه المجتمع، ليس فقط في الإدارة أو الاقتصاد، بل في بناء الإنسان وتنمية المجتمع. ومن أبرز النماذج العربية التي جسّدت هذه المسؤولية الراحل رفيق الحريري الذي آمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الدولة أو المؤسسات للمجتمع.

لقد أدرك المرحوم رفيق الحريري منذ وقت مبكر أن التعليم هو الطريق الحقيقي للنهوض بالمجتمعات، فأسّس مؤسسة رفيق الحريري التي أصبحت واحدة من أهم المبادرات التعليمية في العالم العربي. وقد قدّمت هذه المؤسسة منحًا تعليمية واسعة، واستفاد منها أكثر من 33 ألف طالب وطالبة في مختلف الدرجات العلمية والتخصصات داخل لبنان وخارجه. وبعد تخرجهم التحق هؤلاء الخريجون في المؤسسات العامة والخاصة، وأصبحوا جزءًا من عملية البناء والتنمية في المجتمع، مما جعل هذه المؤسسة نموذجًا رائدًا في دعم التعليم وصناعة الكفاءات.

إن أهمية مؤسسة رفيق الحريري لا تكمن فقط في عدد المستفيدين منها، بل في فلسفتها القائمة على بناء الإنسان وتمكينه بالعلم والمعرفة. فالتعليم هو أساس التنمية المستدامة، وهو الذي يصنع القيادات المستقبلية القادرة على إدارة المؤسسات وتطوير الاقتصاد وخدمة المجتمع. ولهذا فإن دعم التعليم ليس عملاً خيرياً فحسب، بل هو استثمار وطني واستراتيجي في مستقبل الأوطان.
وأستذكر هنا موقفًا شخصيًا يعكس مدى تأثير شخصية رفيق الحريري وفكره. ففي عام 1996 طلب مني معالي وزير الإعلام الأردني الأسبق المرحوم محمد الخطيب أثناء زيارته في مكتبه الخاص مقابل كلية الأميرة عالية في مجمع طوقان، أن أتابع لقاء رفيق الحريري على قناة الجزيره وقد تابعت اللقاء باهتمام كبير، فأعجبت بطرحه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، وبوضوح رؤيته في بناء الدولة من خلال الإنسان والتعليم والتنمية.
وبعد ذلك قمت بإرسال رسالة له أعبر فيها عن تقديري لما طرحه من أفكار ورؤى. وبعد مدة تواصل معي مرافقه الأمني العميد وسام الحسن ودعاني لزيارة بيروت، لكنني اعتذرت في حينه. ومع ذلك بقيت تلك الواقعة في الذاكرة، لأنها تعكس شخصية قيادية كانت قريبة من الناس ومهتمة بالحوار والتواصل.

لقد كان رفيق الحريري نموذجًا في المسؤولية الاجتماعية والإنسانية، حيث جمع بين العمل السياسي والاقتصادي وبين الاستثمار في التعليم والإنسان. وتجربته في دعم التعليم من خلال مؤسسة رفيق الحريري تبقى قدوة ملهمة لكل من يؤمن بأن بناء الإنسان هو الأساس الحقيقي لبناء الأوطان.
إن المجتمعات التي تدعم التعليم وتستثمر في عقول شبابها هي المجتمعات القادرة على التقدم والاستقرار. ولهذا تبقى تجربة رفيق الحريري مثالًا حيًا على أن المسؤولية الاجتماعية ليست شعارًا، بل عملٌ مؤسسيٌ مستدام يغيّر حياة الأفراد ويصنع مستقبل الأمم.
للحديث بقيه.