د. محمد عبد الله القواسمة
يتراءى لبعض المثقفين أو الناس العاديين أن من يعزف من الشعراء والفلاسفة والمفكرين الكبار عن الزواج، إنما يعود ذلك؛ لانشغالهم بأعمالهم الفكرية والإبداعية، فلا وقت لديهم للعاطفة والحب، وتكوين أسرة، والحفاظ على النوع البشري. لكن في الحقيقة من يطلع على حياة هؤلاء، ويتسلل إلى دواخلهم يجد أن حياتهم العاطفية خصبة، غنية، مليئة بالأسرار وحكايات الحب، وما يكتنفه من مغامرات وآلام وأحلام.
من هذه الشخصيات، التي بدت منشغلة بعالم الفكر والأدب، دون اهتمام بالعواطف نحو المرأة والزواج، الأديب والناقد والشاعر والمفكر عباس محمود العقاد «1889 -1964»صاحب العبقريات، وأحد أركان جماعة الديوان النقدية. حتى إنه يبين ذلك في مقال نشر عام 1934 بمجلة آخر ساعة بأن الحالة السياسية في مصر، ومواعيد عمله في جريدة الجهاد الذي يبدأ في المساء لا يشجعان على الزواج، وأن الزواج يحد من حريته» كرجل يشتغل بالكتابة والتأليف. تلك هي الأسباب المهمة أما الأسباب غير المهمة فترجع إلى أن اختيار الزوجة أمر شاق..»
من الواضح أن تلك الأسباب كلها واهية، لا تمنع الزواج، ربما تؤجله إلى حين، لكنها لا تقتل الرغبة فيه نهائيًا. ويستوقفنا السبب غير المهم، وهو صعوبة اختيار الزوجة المناسبة؛ فهو يشير إلى أن الرجل خبير بالنساء، ونتيجة خبرته فإن ثقته متزعزعة بهن، والمرأة الصالحة في نظره نادرة الوجود، وتتكشف خبرته تلك في روايته الوحيدة «سارة» فهي عمل إبداعي يستند إلى قصة حقيقية عايشها العقاد، كما يصرح بذلك في آخر لقاء أجرته معه أماني ناشد قبل أيام من وفاته عام 1964م، وإن كان لم يذكر في مقابلته اسم «سارة» الحقيقي.
وتعد رواية «سارة» (كما أرى) مفتاح الدخول إلى عالم المرأة عند العقاد؛ فهي تكشف علاقته بالمرأة من ناحية، وتفضح سر عزوفه عن الزواج، وموقفه الفكري الحاد من المرأة من ناحية أخرى.
والمعروف أن رواية «سارة» صدرت عام 1938م عن دار المعارف بمصر، ثم أُعيدت طباعتها أكثر من مرة، وتقع في حوالي 118 صفحة، وقامت مؤسسة هنداوي بطبعها ونشرها عام 2013م. وهي تتناول تجربة حب بين سارة الفتاة في الـخامسة والعشرين من عمرها، وهمام الشاب الأديب في الـثانية والثلاثين. وفي ثنايا الرواية تظهر لنا حبيبة أخرى لهمام اسمها هند.
تقدم الرواية عالمها بلسان السارد العليم. ربما حتى يبعد العقاد أي شك في أن الأحداث السردية تتعلق به شخصيًا. وتبدأ ببيان العلاقة المتأزمة بين همام وسارة وفراقهما، ثم بلقائهما مصادفة بعد خمسة أشهر؛ فكان يمر ليلًا بالشارع الذي شهد لقاءاتهما، عندما سمع صوتها تسأله مندهشة: «أهو أنت؟ « ويتبين لنا من دهشتها المتسائلة أنه سبب هذه الجفوة الطويلة. ثم يصعدان مركبة يجرها حصان ليكونا بعيدين عن الناس. ولا يستطيع اللقاء أن يزيل شكوكه بها؛ فهو لم ينس اعترافها بعلاقاتها مع رجال غيره. ويصف تلك الشكوك بأنها مريرة، لا تغسل مرارتها كل أنهار الأرض.
ويتبين لنا أنها تضعف العلاقة بين العاشقين، حتى إنه يستعين بصديقه أمين ليراقبها ويقدم له تقريرًا عما تفعله في غيابها عنه. وفي النهاية يتأكد بنفسه بأنها على علاقة برجل غيره. ويتفقان على أن يلتقيا ليسلم كل منهما للآخر ما لديه من أوراق وصور وذكريات. ويصور نفسه في هذا اللقاء بمريض يقاد إلى غرفة الجراحة ليبتر عضو من أعضائه. وبعد اللقاء يفترقان إلى الأبد.
لا يخفى أن همام يمثل العقاد، وهو في ذلك الوقت في ربيع الشباب، والكاتب المعروف. أما سارة وهند فلا نعرفهما على وجه الحقيقة من خلال الرواية، بل من خلال مقالات كتبها الأديب طاهر الطناحي، وجمعها في كتابه» أطياف من حياة مي» 1965م. والطناحي كان على صلة وثيقة بالعقاد، وعلى معرفة بحياته الخاصة، وكذلك مع الفتاتين.
يعترف العقاد لطاهر الطناحي بأنه أحب في حياته مرتين: سارة وهذا ليس اسمها الحقيقي وإنما اسمها المستعار، أطلقه عليها في قصته المعروفة بهذا الاسم، وأحب ماري زيادة، الأديبة المعروفة باسم مي. ويصف الأولى بأنها مثقفة، متدفقة الأنوثة، لا تهتم إلا بجمالها وأنوثتها، والأخرى مثقفة، قوية الحجة، واهتمامها موزع بين الأدب وقضايا المرأة.
ويذكر الطناحي أن العقاد أحب مي قبل سارة، وقد أنهت مي علاقتها به عندما اكتشفت علاقته بسارة، ونعى العقاد حبه لها في قصيدة طويلة عنوانها» موت الحب» مطلعها:
ولد الحب لنا وا فرحتاه وقضى في مهده وا أسفاه
أما ساره فهي، كما يذكر الطناحي، فتاة مسيحية من لبنان، عاشت في مصر، ثم سافرت إلى فرنسا، وقد أرسلت صورتها إلى العقاد وهي في الستين من عمرها. وقد احتفظ بها العقاد مع صورة أخرى لهما وهما في شباب الحب، جالسة عن يمينه. ولم يذكر الطناحي في كتابه اسمها الحقيقي؛ لأنها عند صدور الكتاب كانت على قيد الحياة، ولكن يتكشف اسمها بعد ذلك بأنها إليزا داغر.
انتهى الحب بين سارة ومي، لكن العقاد يتعلق عام 1939 بفتاة في العشرين من عمرها تدعى هنومة خليل، رأى صورتها فأعجب بها، ودعاها لحضور صالونه الأدبي، الذي كان يعقد كل جمعة. انبهرت الفتاة به مع أنه كان في الخمسين من عمره، وتقربت منه حتى صارت تعد له طعامه، وترتب منزله. لكن العلاقة لم تدم بينهما حين تغدو هنومة مشهورة تحت اسم مديحة يسري، وتشترك في أحد أفلام عبد الوهاب، وتظهر في مشهد صامت وعبد الوهاب يغني: «بلاش تبوسني في عينيّ البوسة في العين تفرق». لقد رفض العقاد عملها، وخيَّرها بينه وبين الفن، فاختارت الفن، وانتهت علاقتهما.
كانت تلك أهم تجارب العقاد مع النساء، وإن كان قد تعرف إلى نساء كثر في حياته بأسوان قبل أن ينتقل إلى القاهرة، وهي، كما رأينا تجارب فاشلة، ولا شك أنها هي التي أبعدته عن الزواج، وكونت رؤيته نحو المرأة، بأنها ضعيفة، وعديمة الإرادة، وأقل من الرجل شأنًا، ولا تبدع في شيء إلا بمساعدة الرجل ودعمه، ولا تصلح إلا للبيت والإنجاب ورعاية الأولاد، إنها رؤية قريبة من رؤية أرسطو المتخلفة، ورؤية الفيلسوف المتشائم شوبنهاور إليها.






