أ.د. مصطفى عيروط
اتابع وغيري ما يضجّ العالم به منذ سنوات بفضيحة إبستين، لا بوصفها قضية أخلاقية أو جنائية فحسب، بل باعتبارها نافذة كاشفة لأساليب خطيرة تُستخدم في دهاليز بعض مراكز النفوذ العالمي، حيث يُوظَّف المال، والفضائح، والانحراف الأخلاقي، كأدوات استخبارية للابتزاز، والتجنيد، وتغيير المسارات السياسية، أو التغطية على ملفات أكثر حساسية.
لقد كشفت هذه الفضيحة، بما حملته من وثائق وتسجيلات وشهادات، كيف يمكن تحويل الانحراف إلى “مادة ضغط”، تُستخدم في الوقت المناسب لتحقيق مصالح خفية، أو لحماية شخصيات نافذة، أو لإسقاط أخرى، أو حتى لإعادة رسم توازنات قوى خلف الستار. غير أن القاعدة الثابتة في التاريخ تؤكد أن هذه الأساليب، مهما طال الزمن، تتحول في النهاية إلى نقمة على مستخدميها، وتتعرّى أوراقهم أمام الرأي العام.
إن استخدام المال في غير موضعه، وتسخير الثروات لبناء شبكات نفوذ أسود، أو لشراء الصمت، أو لحماية الفساد والانحراف، يشكّل خطرًا حقيقيًا على الدول والمجتمعات. ولذلك، فإن أي دولة أو قوة عاقلة تكون حريصة دائمًا على الحذر من أصحاب النفوذ المالي المشبوه الاسود ، لأنهم غالبًا ما يكونون من العوامل الخفية في زعزعة الاستقرار، وتأجيج الأزمات، بل والمساهمة في انفجارات كبرى شهدها العالم، ومنها ما عُرف بـ« ما يسمى الربيع العربي»، حين تداخل المال السياسي الاسود ، والإعلام الموجَّه، والفساد، في مشهد معقّد.
و التجارب عالميا بأن العِبرة في السياسة ليست تفصيلًا، بل ضرورة دائمة. ففي كثير من الأحيان، قد تُفتعل أحداث جسيمة، أو تُفجَّر أزمات كبرى، أو تُشعل حروب إعلامية، بهدف التغطية على فضائح مدوّية، أو لإلهاء الرأي العام عن ملفات خطيرة، كما في ما بات يُعرف رمزيًا بـ«جزيرة ابستين»، بما تحمله من وثائق وتسجيلات قد تُطيح برؤوس كبيرة، أو تهزّ منظومات كاملة.
إن ما جرى ويجري يؤكد أن هناك عقولًا تعمل في الظلام، وتخطط في الظلام، وتفكيرها قائم على الاستغلال والابتزاز والانحراف، لكن الظلام، مهما اشتد، لا يصمد طويلًا أمام الحقيقة. فالتاريخ لا يرحم، والفضائح الكبرى لا تُدفن، بل تعود في لحظة ما، لتكشف من ظنّوا أنفسهم فوق المساءلة، وتثبت أن الأخلاق، قبل القوة والمال، هي أساس الاستقرار الحقيقي.
وان أخطر ما في فضيحة إبستين وما شابهها، ليس تفاصيلها الصادمة فحسب، بل الدرس العميق الذي تحمله للعالم أجمع: فالدول التي تتسامح مع المال الأسود، أو تسمح بتحويل الانحراف إلى أداة نفوذ، أو تغضّ الطرف عن شبكات الابتزاز مهما كانت محمية، إنما تزرع بذور الانفجار في جسدها السياسي والمجتمعي.
فالتلاعب بالأخلاق، واستخدام الإنسان سلعة في معادلات القوة، قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يقود حتمًا إلى انهيارات كبرى وفقدان الثقة، داخليًا وخارجيًا. ودم قد يسيل للابد فالذين يستخدمون هذه الأساليب قد تؤدي إلى حروب دمويه ودم يجري أنهارا وتكون في المثل العربي كداحس والغبراء
ومن هنا، فإن اليقظة، والشفافية، وسيادة القانون، والرقابة الصارمة على المال الاسود والنفوذ، ليست ترفًا سياسيًا، بل صمّام أمان للدول والشعوب. فالتاريخ أثبت أن من يظنّ نفسه قادرًا على إدارة العالم من الظلام، سينتهي به الأمر مكشوفًا أمام الضوء، وأن الفضائح التي تُدار في الخفاء، تتحول عاجلًا أم آجلًا إلى زلازل لا تُبقي ولا تذر. والايام بيننا ومن لا يأخذ عبرا يكون جاهلا ولا يستفيد من دروس التاريخ





