بقلم: ابراهيم احمد السيوف
لم تكن الرسالة الملكية السامية الموجهة لرئاسة هيئة الأركان المشتركة مجرد بروتوكول تحديثي عابر، بل هي “إعلان مبادئ سيادي” يؤسس لمرحلة الانقضاض على التقليد العسكري الكلاسيكي لصالح “السيادة التكنولوجية المطلقة”. إننا أمام “انقلاب بنيوي” مدروس يقوده جلالة الملك لإعادة صياغة دور الجيش العربي، ليس فقط كحامٍ للحدود، بل كـ “ذراع جيوسياسية ضاربة” تمتلك أدوات الردع الاستراتيجي في إقليم لا يعترف إلا بموازين القوى المتفوقة.
إن التوجيه الملكي بالتحول البنيوي الشامل يمثل اختراقاً فلسفياً لمفهوم القوة؛ فالدولة الأردنية اليوم تعلن بوضوح أنها لن تكتفي بـ “الاستجابة” للتهديدات، بل ستعمل على “تصفيرها” قبل ولادتها عبر امتلاك ناصية “السيادة الرقمية”. إن دمج الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المسيرة، والعمليات السيبرانية الهجومية في صلب العقيدة القتالية، يعني نقل الجيش العربي من “الدفاع السلبي” إلى “الردع الاستباقي الذكي”. هذا ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة هندسة لـ “جينات القوة” الأردنية لتصبح أكثر رشقاً، وأشد فتكاً، وأنفذ بصيرة في مواجهة “الحروب الهجينة” التي تستهدف نسيج الدول ومراكز ثقلها.
وعلى صعيد الاستقلال الاستراتيجي، فإن تحويل “المركز الأردني للتصميم والتطوير” إلى ترسانة للبحث والتصنيع الدفاعي العالمي هو “قرار سيادي بامتياز”. إن الملك يرسل رسالة مشفرة للعالم: أن الأردن بصدد بناء “مجمع صناعي عسكري” يحرره من ارتهان التوازنات الدولية وسلاسل التوريد. هذا هو “الاستقلال الحقيقي”؛ حيث تصبح الدولة مطورةً لمنظومات قتل التهديد، لا مجرد مستهلكة لها، مما يمنح القرار السياسي الأردني “حصانة استراتيجية” تجعل من سيادة الدولة خطاً أحمر لا تقترب منه نيران الإقليم المشتعل.
أما الصهر العملياتي لوحدات الأمن العام والدرك ضمن المنظومة التعبوية للجيش، فهو يمثل الذروة في “عقيدة الأمن القومي الشامل”. هذا التكامل يلغي “الفوضى البيروقراطية” ويخلق جسداً واحداً يتحرك بـ “عقل استراتيجي موحد”. إنها هندسة “الدولة الحصينة” التي تدير مواردها ومنتسبيها وحصونها المالية (عبر الحوكمة الصارمة) ككتلة صلبة غير قابلة للاختراق. هذا الترابط هو الضمانة الأكيدة بأن الأردن لا يواجه العواصف بـ “ردود أفعال”، بل بـ “منظومة ردع متكاملة” قادرة على حماية مراكز الثقل الحيوية تحت أي ظرف.
ختاماً، إن هذا التحول هو “العبور الكبير” نحو مئوية ثانية عنوانها “القوة والمنعة”. إن المقال الذي يسطره الملك اليوم بأمر العمليات هذا، هو شهادة ميلاد لجيش “مصطفوي” عابر للعصور، يجمع بين قدسية الرسالة وبين شراسة التكنولوجيا. إن الأردن بهذا التحول لا يواكب المستقبل، بل يصنعه، مؤكداً أن هيبة الدولة تبدأ من قوة جيشها، وأن “الجيش العربي” سيظل الصخرة التي تتحطم عليها كل أوهام المساس بكيان الأردن العظيم.





