المحامي حسين احمد الضمور يكتب
في عالم الصراعات الكبرى، لا تُقاس الإنجازات بعددها بقدر ما تُقاس بأثرها. قد يمتلك طرفٌ ما أدوات كثيرة، وأشخاصًا عديدين، وإمكانات ضخمة، لكنه يفتقر إلى العنصر الحاسم: الجودة. وهنا تظهر القاعدة الخالدة: العِبرة في النوع لا في الكم.
حين نقرأ في قصص العمل الاستخباري في المنطقة، تبرز أمامنا نماذج لأشخاص كان لفردٍ واحدٍ منهم تأثيرٌ يفوق تأثير مؤسسات كاملة. سواء اختلفت الروايات أو اتفقت حول التفاصيل، فإن الثابت أن بعض الأفراد استطاعوا، بذكائهم وصبرهم وقدرتهم على كسب الثقة، أن يصنعوا فارقًا استراتيجيًا لبلدانهم. لم يكونوا كثرة، لكنهم كانوا نوعًا نادرًا.
القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد المعلومات، بل في نوعيتها وتوقيتها ودقتها. معلومة واحدة في اللحظة المناسبة قد تغيّر مسار معركة، أو تعيد حسابات دولة، أو تحفظ دماء جنود. وهكذا في الحياة عمومًا: كلمة صادقة قد تبني ما لا تبنيه خطب طويلة، وموقف شجاع واحد قد يرفع قدر صاحبه أكثر من سنوات من الكلام.
إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تملك أكبر عدد من الناس، بل تلك التي تُحسن صناعة الإنسان النوعي: صاحب المبدأ، والوعي، والمهارة، والانتماء الحقيقي. فالنوع الجيد يُضاعف القيمة، أما الكم بلا جودة فيُرهق ولا يُثمر.
لذلك، في ميادين العمل الوطني، والعلم، والتربية، وحتى في علاقاتنا الإنسانية، يبقى الدرس واضحًا:
لا تسعَ لأن تكون كثيرًا بين الناس، بل اسعَ لأن تكون مؤثرًا بينهم.
ولا تسعَ لملء الصفوف بالأعداد، بل املأها بالقامات.
ففي النهاية، التاريخ لا يتذكر الكثرة، بل يتذكر الأثر.





