د. عادل يعقوب الشمايله
شهدت السنوات الثمانون الماضية من عمر الوطن العربي، أي منذُ بدايةِ ما يسمى “مرحلة الاستقلال” انتقالاً لافتاً ومتسارعاً من نظام الحكم الملكي الذي كان سائداً في كافة الدول العربية إلى نظام الحكم الجمهوري.
قَادَ عملية التحولِ هذهِ الانقلاباتُ العسكريةُ التي أطاحت بالأنظمة الملكية مستندةً إلى عدةِ حجج.
أولاها: أن أنظمة الحكم الملكية لم تعد تصلح للعصرِ الحاضرِ لأنها أنظمةٌ رجعية، في حين أن الأنظمةَ الجمهوريةَ تقدمية.
ثانيها: أنَّ أنظمةَ الحكمِ الملكية مواليةٌ أو متحالفةٌ أو تابعةٌ بالطبع للدول الاستعمارية التي أوجدتها، وأن جيوشَ الدولِ الاستعماريةِ لم ترحل إلا بعد أن اطمأنت إلى استمرار النفوذ والسيطرة، خاصةً وأن خروجها كانَ دونَ مقاومةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ ومؤثرةٍ باستثناء حالة الجزائر وربما تونس. في المقابل، تتحالف الجمهوريات التي أتى بها الانقلابيون مع الاتحاد السوفيتي على اعتبار أنه رائد التقدم، ومقاومة الاستعمار، ونصير الشعوب المضطهدة.
ثالثها: أن أنظمة الحكم الملكي مستبدة وفاسدة بالمطلق، بينما الحكم الجمهوري نزيهٌ ووطنيٌ وديمقراطيٌ شعبي.
رابعها: أن أنظمة الحكم الملكية وراثية وفوقية لا تحتكم لإرادة الشعب في موضوع توارث الحكم وكذلك عند اتخاذ القرارات السيادية، بينما أنظمة الحكم الجمهوري تأتي بالإرادة الشعبية وتستمر بإرادة الشعب وتحكم بإرادة الشعب وتغادر بإرادة الشعب.
خامسها: أن عقيدة الأنظمة الجمهورية تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تطبيق النهج الاشتراكي وإزاحة الفوارق الطبقية وتأميم الإقطاعيات الزراعية ورأس المال المُستغِل للعمال والمُحتكر للأسواق.
سادسها: مهمة تحرير فلسطين. نظراً لأن الأنظمة الملكية مرتبطة بالدول الاستعمارية التي أوجدتها وأوجدت إسرائيل معاً، فإنها لن تكون شريكةً ولا داعمةً لجبهة مقاومة إسرائيل بل ولا محايدةً. لذلك، فإنه لا يُعوَّل على الأنظمة الملكية للنهوض بهذا الهدف القومي، ولا يؤمَن جانبها.
سابعها: أن هدف تحقيق النمو الاقتصادي من خلال التركيز على التعليم والتصنيع بدلاً من الزراعة يقع على رأس الأولويات للأنظمة الجمهورية التقدمية باعتباره الشرط اللازم لتحقق الاستقلال الفعلي والظفر بالسيادة الكاملة بدلاً من المنقوصة، بينما لا توليه الأنظمة الملكية الاهتمام الكافي بسبب ارتباطها العضوي مع الدولة المستعمِرة حتى بعد مغادرتها، إضافة إلى استراتيجية الأنظمة الملكية في الإبقاء على الواقع الاجتماعي والثقافة التقليدية الرجعية التي شكلتها الخرافات والأساطير، والنظام الطبقي، والانعزالية التي أنتجتها الجغرافيا وتخلف وسائل المواصلات والتواصل.
بتقييم تجربة الأنظمة الجمهورية منذ رائدتها التي جاء بها انقلاب جمال عبد الناصر ورفاقه عام ١٩٥٢ فإن النتيجة التي لا مراء فيها هي فشل الانقلابيين وفشل الجمهوريات التي أسسوها في جميع الدول العربية في تحقيق أي هدف من الأهداف السبع أو مصداقية الحجج السبع، وأنهم لم يُحسنوا توظيف المبررات التي روجوا لها لاستدامة انقلاباتهم، وأنها لم تقدم نموذج نجاح واحد يُحتذى به.
هذا يعني أن العبرة ليست بالتسميات والقوالب والهياكل، والدليل:
أولاً: جميع رؤساء الجمهوريات العرب تولوا الحكم بانقلابات عسكرية مباشرة أو بانتقال السلطة بين الانقلابيين بعد وفاة الرئيس، وليس بإرادة شعوبهم، وأنهم لم يستمروا بإرادة شعوبهم، ولم يحكموا بإرادة شعوبهم، ولم يغادروا بإرادة شعوبهم. وهكذا سقط أول مبرر.
ثانياً: انتقلت عدوى التوريث إلى بعض الجمهوريات لتصبح ملكيات جمهورية أو جمهوريات ملكية، ومثال ذلك سوريا، وبعضها سعى لتوريث الحكم مثل مبارك والقذافي وصدام حسين وعبد الله علي صالح وبوتفليقة في الجزائر.
ثالثاً: غالبية رؤساء الجمهوريات طال أمد حكمهم ولم يزحزحهم عن الكرسي إلا الموت أو انقلاب طامح جديد في الحكم، كما لم يتنازل أيٌّ منهم طوعاً باستثناء شكري القوتلي في سوريا وعبد الرحمن سوار الذهب في السودان.
رابعاً: صحيحٌ أن الملوك يصادرون إرادة الشعب فلا يتولون الحكم نتيجة انتخابات حرة نزيهة بل بالتوارث، في المقابل فإن جميع رؤساء الجمهوريات الذين جاءوا بالانقلابات كانوا يجددون لأنفسهم بأنفسهم من خلال تزوير إرادة الشعب. فصندوق الانتخابات الذي يُفرز هو الصندوق الذي يضع فيه الرئيس ورقة التصويت، ولا يوجد فيه إلا ورقة واحدة وربما ورقة زوجته أيضاً إن كان يثق بها، ثم يُنسب فوزه للإرادة الشعبية. على أي حال، من الوفاء شكرهم على اعترافهم بأن هناك شعباً، ولكن بالنتيجة لا فرق بين مصادرة إرادة الشعب وتزوير إرادة الشعب.
خامساً: تعيين الرئيس بإرادة خارجية:
ابتُليت عدد من الجمهوريات العربية ببلاء الولي الفقيه. فمنذ زوال الحكم الملكي في إيران وتحولها إلى جمهورية ملكية فإن الرئيس الفعلي هو المرشد الأعلى الذي يحكم مدى الحياة وينتخبه مجلس غير منتخب. أما رئيس الجمهورية فهو لا يعدو أن يكون رئيس وزراء في أحسن الأحوال، وتسميته رئيس جمهورية مجرد ضحك على ذقون الشعب ولمتطلبات البروتوكول.
لم يكتفِ المرشد الأعلى بحكم إيران بل امتد سلطانه إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق. (بابا الشيعة) أصبح هو مصدر السلطة في خمس دول بدلاً من الشعب. فالرئيس اللبناني الذي يصل إلى الكرسي هو من يوافق عليه حزب الله وحافظ الأسد اللذان ينفذان أو يسترشدَان أو يتباركان بأوامر المرشد، وكان حزب الله يمتلك حق الفيتو. رئيس الوزراء العراقي أيضاً يخضع لموافقة المرشد الإيراني، والوضع في اليمن بعد سقوط عبد الله علي صالح مشابه.
خلاصة القول، علينا أن نراجع مفاهيمنا السياسية ومعرفة أن النصوص الدستورية هي مجرد قوالب قانونية يتفذلك بها قانونيون متخصصون ومحترفون. هذه النصوص الدستورية الجميلة والمبهجة تتحول بفعل قوة السلطة وهيمنتها إلى تعبيرات وممارسات سياسية واقعية تُرسِّخ عكس المأمول منها، أو يتم تقييدها بقوانين تعسفية استبدادية لاحقة.
غير أنه من الواقعية أيضاً إدراك أن تحول الدساتير إلى مجرد حبر على ورق (لا بتهش ولا بتنش) يعتمد على نوعية الشعب، وعلى ثقافة الشعب، وعلى طبع الشعب. فهناكَ شعوبٌ يغلبُ على أفرادها الاستعدادُ للخضوع. إرادتها مفقودةٌ او مسروقة لأن ثقافتها تُمَجدُ تاريخياً المستبدين وتؤيدُ الانقضاضَ على الانظمة الديموقراطية. وهناك شعوبٌ ارادتها حرة وثقافتها ديموقراطية لذلك تُدافعُ عن حريتها ونظامها الديموقراطي.
لذلك، نجد خارج الوطن العربي أنظمة ملكية ديمقراطية رائعة بل واشتراكية أيضاً، وأنظمة جمهورية رائعة وديمقراطية وبعضها اشتراكي، وفي المقابل هناك أنظمة حكم ملكية وجمهورية أقل ما يقال فيها إنها ليست رائعة وأنها ليست ديمقراطية.
أخيراً، تُعبِّر الآية القرآنية التالية عن التناقض بين المقدمات والنتائج:
“وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ” [الأعراف:





