وطنا اليوم _
كتب: ليث الفراية
في مرحلة تختبر فيها الأفكار صدقها، وتنكشف فيها النوايا أكثر مما تُعلن، لا يبرز أصحاب القيمة من خلال ارتفاع الصوت، بل من خلال ثبات الفكرة والدكتور جميل الوخيان ليس اسمًا عابرًا في السيرة الأكاديمية الأردنية، ولا حالة اغتراب تقليدية، بل هو نموذج أردني مركّب؛ يجمع بين صرامة الباحث، وهدوء المثقف، وعمق الإنسان الذي فهم الوطن بوصفه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون هوية مكتوبة.
الوخيان لا ينتمي إلى مدرسة الاستعراض، ولا إلى ثقافة الادعاء حيث حضوره قائم على المعرفة، ومكانته بُنيت على التراكم، لا على المصادفة ومنذ بداياته التعليمية الأولى، كان واضحًا أن هذا الرجل يسير باتجاه سؤال أكبر من الشهادة، وأبعد من الوظيفة؛ سؤال العدالة، وسؤال الصراع، وسؤال كيف يمكن للعقل أن يكون أداة تهدئة في واقع يزدحم بالحركة ويشحّ فيه المعنى.
اختار مسارًا علميًا شائكًا، متدرجًا بين علم النفس، وعلم الجريمة، ثم فض النزاعات الدولية، وكأنه كان يكتب سيرته العلمية بوعي مبكر لتعقيد الإنسان وتشابك دوافعه حيث لم يكن هذا التنوع الأكاديمي ترفًا معرفيًا، بل انعكاسًا لشخصية ترى في الإنسان جوهر القضايا، وفي الفهم سبيلًا للحلول، وفي الحوار بديلًا عن الاصطدام.
وحين استقر في الولايات المتحدة، لم يسقط في فخ الذوبان، ولم يتعامل مع الغربة بوصفها قطيعة مع الجذور، بل بوصفها اختبارًا للهوية وهناك، في القاعات الجامعية، وبين النقاشات البحثية، لم يكن الدكتور جميل الوخيان أستاذًا فحسب، بل حاملًا لرواية الأردن؛ يشرح، ويصحّح، ويفكك الصور المشوّهة ببرودة العقل، لا بانفعال الخطاب.
تميّز الوخيان بأنه فهم مبكرًا أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس المواجهة المباشرة، بل التشويه الصامت لذلك، اختار أن يكون حاضرًا حيث تُصاغ الأفكار، لا حيث تُرفع الشعارات وقدّم الأردن كدولة مؤسسات، وكثقافة عقلانية، وكحالة توازن نادرة في محيط مأزوم، دون مبالغة، ودون تلميع، بل بلغة تحترم عقل المتلقي وتراهن عليه.
في مبادراته الثقافية، لم يكن يسعى إلى عرض فلكلوري معزول عن السياق، بل إلى تقديم الهوية الأردنية بوصفها حالة حضارية متكاملة؛ تاريخ، وقيم، وقدرة على التعايش، ونموذج دولة تعرف حدودها وتدير حضورها بوعي حيث كان حريصًا على أن يرى الآخرون الأردن كما هو: بلد الحكمة الهادئة، لا بلد الصراخ؛ بلد الدولة، لا دولة الادعاءات.
شخصية الدكتور جميل الوخيان تحمل ملامح الأردني العميق حيث هدوء لا يعني ضعفًا، وصبر لا يعني تراجعًا، وثبات لا يحتاج إلى تبرير ويتحدث بثقة من يعرف موقعه، ويختلف دون أن ينكسر، ويدافع دون أن يتحول إلى خصم. وهذه صفات لا تُصنع في الغربة، بل تُكشف فيها.
يمكن القول إن الوخيان ينتمي إلى فئة الأردنيين الذين يخدمون بلدهم خارج الكاميرا حيث لا يطلب تمثيلًا، ولا ينتظر اعترافًا، لكنه يراكم أثرًا هادئًا يصعب تجاهله فهو جزء من القوة الهادئة للأردن، تلك التي لا تُدار بالقرارات، بل بالأفراد القادرين على تمثيل الفكرة قبل العلم.
وجدانيًا، يحمل هذا الرجل وطنه كحملٍ أخلاقي فهو يعتبر الأردن عنده ليس ذكرى، بل سؤال دائم “كيف نحفظ صورته؟ كيف نمنع اختزاله؟ كيف نقدّمه للآخر دون مبالغة ودون انكسار؟ “وهذا السؤال هو ما يجعل حضوره صادقًا، ومواقفه محسوبة، وكلمته محترمة.
الدكتور جميل الوخيان لم يكن مجرد أستاذ أو باحث، بل كان فنّانًا في نسج خيوط الانتماء بخطواته الصادقة وعطائه المستمر، وبأخلاقه الراسخة ونُبله الذي لا يختبئ، واستطاع أن يجعل من كل موقفٍ يمثل فيه الأردن لوحة حيّة، يُقرأ فيها الوفاء قبل الكلمات وابتسامته الهادئة لم تكن مجرد تعبير عن اللطف، بل إشعاع يدل على صموده الداخلي، على نقاء ذاته، وعلى معدنٍ أردني أصيل لا يُخفيه أي مقام أو مكان وملامح وجهه، تلك التي تفيض صدقًا وطمأنينة، كانت في حد ذاتها شهادة على جوهره فهو رجل يمثّل بلده بلا شعار، يزرع الانتماء في كل قلب يقترب منه، ويترك أثرًا صامتًا وثابتًا لا يُمحى حيث كل حركة، وكل كلمة، وكل نظرة منه كانت خيطًا دقيقًا يشدّ الأمة إلى جذورها، يذكّر من حوله أن الانتماء الحقيقي هو فعل يومي، ينبع من الأخلاق، ويُقاس بالوفاء، لا بالحديث
الدكتور جميل الوخيان ليس حالة فردية فحسب، بل رسالة حيث رسالة تقول إن الأردن ما زال ينجب عقولًا تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، وكيف تدافع دون أن تخسر احترامها وفي مشهد تتبدل فيه المواقع بسرعة، يبقى أمثال الوخيان ثابتين، لأنهم لم يربطوا قيمتهم بالمكان، بل بالمعنى.
الحديث عنه هو حديث عن الأردن الذي نريده حاضرًا في الوعي حيث أردن واثق، وعاقل، ومثقف، لا يرفع صوته ليُسمَع، ولا يختفي ليُرضي أردن يمثله رجال يفهمون أن أعمق أشكال الانتماء أن تكون صورة بلدك أكثر صفاء لأنك كنت هناك.





