ملفات إبيستين وهندسة الإنحطاط العالمي

ساعة واحدة ago
ملفات إبيستين وهندسة الإنحطاط العالمي

د. هاني العدوان

في صيف عام 2019 ومع إعادة فتح التحقيقات الأميركية ونشر وثائق قضائية متتابعة
خرجت إلى العلن ملفات جيفري إبستين فتعرت بنية حكم ظلت تعمل سنوات طويلة خلف ستار الصمت
الملفات تلك أظهرت منظومة متكاملة حولت الإنحراف الأخلاقي إلى وسيلة سيطرة
وحولت الفضيحة إلى أداة سياسية تُدار بها الدول والشعوب
الوثائق التي نُشرت تباعا منذ تموز/يوليو 2019، والأسماء التي ظهرت في لوائح الرحلات والسجلات ومسارات الطيران التي كُشفت لاحقا في 2020 و2021 قدمت صورة أولية فقط عن حجم الشبكة فيما تشير طبيعة الابتزاز ذاته إلى مخزون أوسع من الانتهاكات المحجوبة، لأن قيمة الابتزاز ترتبط ببقائه قابلا للاستخدام
جزيرة إبيستين شكلت مسرح الجريمة الفعلي منذ منتصف التسعينيات وحتى 2018
هناك جرى استغلال الأطفال وهناك صُورت الإعتداءات وهناك أُعدت الملفات السوداء التي قيدت أعناق سياسيين ورجال مال وإعلام
من مر عبر تلك الجزيرة عاد إلى موقعه الرسمي محملا بسجل ثقيل ومعه تآكل استقلال القرار
السياسة عند هذه النقطة فقدت معناها الأخلاقي وصارت خاضعة لسطوة ملف جاهز للاستخدام في أي لحظة
بعد اكتمال صناعة الابتزاز انتقلت إدارة القرار إلى مراكز السلطة
داخل البيت الأبيض ولا سيما خلال إدارات متعاقبة منذ 1993 وحتى 2020 صيغت السياسات الكبرى وهناك تحولت الفضائح القادمة من الجزيرة إلى أدوات ضغط فاعلة
الوجوه التي خرجت من مسرح الانتهاك جلست على مقاعد النفوذ وشاركت في رسم قرارات الحرب والحصار والغزو والدعم السياسي
هكذا تداخل الإنحراف الشخصي مع إدارة العالم وصارت الرذيلة الخاصة مدخلا لإخضاع القرار العام
بهذه الآلية تشكلت طغمة حاكمة متعاقبة
منذ نهاية الحرب الباردة في 1991 اعتمدت المال للهيمنة على الاقتصاد العالمي والإعلام لإعادة تشكيل الوعي والسلاح لفرض الإرادة والابتزاز لضمان الطاعة
هذه الطغمة تجاوزت سيادات الدول واستولت على مقدرات الشعوب وأفرغت القانون الدولي من مضمونه الأخلاقي فصار أداة انتقائية تُستخدم وفق المصلحة السياسية
العودة إلى التاريخ تكشف أن هذا السلوك ترسخ منذ منتصف القرن العشرين
ففي 6 آب/أغسطس 1945 أُلقي السلاح النووي على هيروشيما، ثم في 9 آب/أغسطس 1945 على ناغازاكي فمُسحت مدن كاملة وسقط أكثر من مئتي ألف إنسان وعاشت أجيال لاحقة آثار الإشعاع
تلك الجريمة رسخت مبدأ الإفلات من الحساب حين تمتلك القوة وفتحت الباب أمام شرعنة الإبادة ضمن ميزان المنتصر
مع مرحلة الحرب الباردة انتقلت الهيمنة إلى أدوات اقتصادية وسياسية
فمنذ 1962 فُرض حصار شامل على كوبا واستمر بأشكال مختلفة لعقود طويلة، فخُنق اقتصاد كامل واستُنزفت حياة شعب وتحولت المعاناة اليومية إلى وسيلة ضغط دائم
الحصار أدى وظيفة سياسية واضحة تقوم على إخضاع الإرادة عبر إنهاك المجتمع
مع مطلع الألفية الجديدة دخل العالم مرحلة تفكيك الدول
ففي 20 آذار/مارس 2003 بدأ غزو العراق فتعرضت الدولة لانهيار شامل طال المؤسسات والبنية الاجتماعية والاقتصادية وإعدام رئيس الدولة فجر 30 كانون الأول/ديسمبر 2006 صبيحة يوم عيد الأضحى في مشهد صادم انتهك حرمة الأديان ومشاعر المؤمنين ووجه رسالة سياسية تؤكد غياب أي اعتبار للقيم الدينية أو الرمزية الإنسانية في إدارة الصراع
بعد العراق تمدد المسار ذاته بأشكال مختلفة
في آذار/مارس 2011 تعرضت ليبيا لتدخل عسكري مباشر أطاح بالنظام، ثم تُرك البلد من دون إطار دولة جامعة تفككت المؤسسات وانتشر السلاح وانقسم المجتمع وتحول النفط إلى عامل صراع فيما عاش الليبيون سنوات طويلة من الاضطراب نتيجة مسار فُرض من الخارج
وفي 2015 دخلت اليمن مرحلة حرب استنزاف واسعة، تأججت الانقسامات، دُور الصراع بالوكالة، وضُربت البنية الصحية والاقتصادية حتى صار الجوع والمرض جزءا من الواقع اليومي، وتحمل المجتمع اليمني كلفة إنسانية ثقيلة امتدت إلى يومنا هذا
أما لبنان فقد واجه نمطا آخر من الإضعاف، بلغ ذروته مع الانهيار المالي في 2019، وتفاقم مع تعطل المؤسسات خلال 2020 و2021 تآكلت الثقة بين الدولة والمجتمع وبقي البلد عالقا داخل أزمات متراكمة جعلته ساحة تجاذب دائم في صراعات الإقليم
وفي 2011 تحول الصراع في سوريا إلى ساحة مواجهة مفتوحة
تدفقت القوى الخارجية، تكسرت الجغرافيا، اتسع النزوح والتهجير خلال 2012–2018، ودفع المجتمع السوري ثمنا باهظا من الدم والانقسام في مسار أنهك الدولة والمجتمع معا
ثم جاء السودان، حيث تراكم الاضطراب السياسي بعد 2019 وانفجر الصراع المسلح في نيسان/أبريل 2023، فانزلق البلد نحو أزمة إنسانية وانهيار اقتصادي واجتماعي، ضمن سياسة تعتمد إنهاك الدولة من الداخل وترك المجتمع أمام مصير مفتوح إلى وقتنا هذا
وعلى امتداد هذا المسار التاريخي تكرر النمط ذاته عبر العقود
اختطاف قادة
فرض نفي قسري
إسقاط حكام بقرارات خارجية
توجيه المنظمات الدولية لخدمة القرار السياسي
إعادة تشكيل الإعلام لصياغة رواية تبريرية مع مصادرة الموارد تحت عناوين سياسية
الذروة ظهرت في فلسطين منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تصاعد الدعم السياسي والعسكري والمالي للكيان المحتل، فتوفر الغطاء لكل جريمة وتحول القتل والتشريد إلى سياسة ثابتة
غزة تعرضت لتدمير شامل خلال 2023 و2024 وللآن
ضُربت المستشفيات، سُويت الأحياء ودُفنت عائلات كاملة تحت الأنقاض فيما استمر القرار الدولي في توفير الحماية للجاني
والآن إيران على ذات الطريق والأسلوب نفسه
هذا السجل التاريخي يقدم صورة سقوط أخلاقي وقيمي شامل عبر قرن كامل
القوانين الإنسانية عُطلت عمليا
المواثيق الدولية فقدت معناها والإنسان تحول إلى هامش داخل حسابات النفوذ
فحين تُدار السياسة بملفات خرجت من جزيرة ابتزاز وحين تُصاغ القرارات في غرف سلطة خاضعة لتلك الملفات يصبح العالم ساحة قهر واسعة وفق شريعة الغاب
هنا تتضح المفارقة الكبرى
فالحمد لله على نعمة الدين والحمد لله على نعمة الإسلام
منظومة جعلت الأخلاق أساس الحكم وربطت القوة بالعدل وصانت كرامة الإنسان من تغول السلطة
ذلك الميزان الأخلاقي يظل الضمانة الحقيقية لحماية البشرية من انحطاط تحول إلى أسلوب حكم عالمي
هذا غيض من فيض للتوثيق والإدانة يكشف حقيقة من يحكم العالم اليوم
وكيف يقود سقوط القيم إلى هدر كرامة الإنسان وخراب الدول