بقلم د. عبدالله محمد القضاه
تأتي رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى قيادة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بوصفها وثيقة استراتيجية تعكس انتقال الدولة من منطق التحديث التقليدي إلى هندسة مستقبل القوة الوطنية. فهي لا تكتفي بتوجيه إداري، بل ترسم ملامح تحول بنيوي شامل في فلسفة بناء الجيش خلال أفق زمني واضح، يستجيب لتحولات بيئة الأمن الإقليمي والدولي.
وتنطلق الرسالة – التي لامست وجدان الأردنيين وعقلهم معًا – من إدراك عميق لطبيعة الحروب المعاصرة، التي لم تعد تُخاض بالجيوش النظامية وحدها، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، والأنظمة المسيرة، واستهداف مراكز الثقل الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تتبدى الرؤية الملكية كإطار انتقالي يعيد ضبط بوصلـة المؤسسة العسكرية من منطق الاستجابة إلى منطق الاستباق، بما يعزز بناء جيش رشيق ونوعي، قادر على تحقيق الردع الاستراتيجي بكفاءة عالية، بعيدًا عن منطق الاستنزاف أو تضخيم الكتلة العسكرية.
وفي الإطار نفسه، تنتقل الدولة من مفهوم “القوة الصلبة” إلى نموذج “القوة الذكية”، حيث تتكامل القدرات العسكرية مع المعرفة، والتكنولوجيا، والحوكمة، والاقتصاد الدفاعي، لتشكيل منظومة ردع شاملة لا تقوم على السلاح وحده، بل على الذكاء الاستراتيجي في إدارة القوة.
كما تحمل الرسالة دلالات واضحة على انتقال المؤسسة العسكرية من دور المستخدم للتكنولوجيا إلى الشريك في تطويرها، عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، والصناعات الدفاعية الوطنية، بما يعزز السيادة الوطنية ويقلل الاعتماد الخارجي. ويتكامل ذلك مع تأكيد لافت على الحوكمة الرشيدة، وإعادة هيكلة الاستثمارات العسكرية وفق أعلى المعايير المهنية والكفاءة التشغيلية.
والأهم أن الرسالة تعيد تعريف مفهوم الأمن الوطني بوصفه منظومة متكاملة، تقوم على تنسيق الأدوار بين القوات المسلحة ومختلف الأجهزة الأمنية، ضمن رؤية واحدة تستجيب للتهديدات المركبة والمتداخلة. وفي المحصلة، تعكس الرسالة قيادة تستبق التحديات، وتبني القوة بعقل الدولة لا بردة الفعل، لترسيخ نموذج أردني فريد في بناء القوة الذكية، وصون الاستقرار الوطني في بيئة إقليمية تتسم بأعلى درجات السيولة والتقلب.
إنها رسالة لا تبني جيشًا فقط، بل تبني منظومة دولة قادرة على حماية سيادتها، وصيانة استقرارها، وصياغة مستقبلها بثقة ووعي.
*أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الادارة العامة سابقا






