د.عادل الشمايلة
لماذا تُجاهر فرنسا بموقفها المؤيد لأكراد سوريا؟ وهل سيترتّب، على موقفها المعلن تبعات من الحكومة السورية أو من الدول المجاورة التي تعاني من التمرد الكردي، وهي: العراق وإيران وتركيا؟
لفهم الموقف الفرنسي، يجدر إلقاء الضوء على الماضي الاستعماري لفرنسا في المنطقة، وعلى التنافس مع القوى الاستعمارية الأخرى، واستغلالها لتردّي قوة ونفوذ المملكة العثمانية بعد أن أتعبت أوروبا لعدة قرون.
بدأت فرنسا التدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة العثمانية في شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط منذ أواخر القرن التاسع عشر، بحجة حماية الأقليات والطوائف الدينية غير السنية، ورعاية الكيانات المحلية غير المركزية.
وقد مورس هذا الادعاء الفرنسي عمليًا طيلة فترة انتدابها لسوريا ولبنان، وحافظت عليه حتى بعد منح الاستقلال للبلدين كوسيلة نفوذ واستقرار (مسمار جحا). هذه الذهنية تُعد ركيزةً ورمزيةً من رمزيات السياسة الخارجية الفرنسية.
أولًا: الثقافة السياسية الفرنسية
تُضفي صيغة الخطاب الفرنسي، الذي يبرر موقفها الداعم لأكراد سوريا، وزنًا عاليًا لحقوق الأقليات، والعلمانية، والإدارة اللامركزية. وهي عناصر يراها صانع القرار الفرنسي متوافقة نسبيًا مع الشعارات التي ترفعها التنظيمات الكردية المتمردة في سوريا والعراق.
كما تحرص فرنسا على المحافظة على توزيع مناطق نفوذ الدول الاستعمارية الذي استقر بعد الحرب العالمية الأولى، عقب صراع مرير بينها. فالتقليد الاستعماري الغربي لا يزال يؤمن بحقه في الاحتفاظ بقدرٍ من النفوذ في الدول التي استقلت.
ومن الطبيعي أن تُستغل حاجة الدول المستقلة للمعونات الفنية والمالية، وكذلك حركة التجارة البينية، والبعثات العلمية للطلاب السوريين واللبنانيين للدراسة في فرنسا، لترسيخ الربط الثقافي بين الطرفين.
ثانيًا: ذريعة مكافحة الإرهاب
بعد صعود تنظيمَي القاعدة وداعش، برزت ذريعة مكافحة الإرهاب في سوريا وما حولها. ولهذا السبب شاركت فرنسا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ووجدت في الأكراد قوة موثوقة تقلّل الحاجة إلى نشر قوات فرنسية كبيرة، وتحدّ من وصول التهديد الإرهابي إلى الداخل الفرنسي.
ثالثًا: الحسابات الجيوسياسية الإقليمية
تتسم العلاقات الفرنسية–التركية بقدر من التوتر. لذلك تسعى فرنسا إلى موازنة النفوذ التركي، ليس في شمال شرق سوريا فقط، وإنما أيضًا في ليبيا والصومال، ومنع تمدده إلى دول أفريقية أخرى تعتبرها فرنسا مناطق نفوذ تاريخية لها، دون إغفال الخلافات والاختلافات بين تركيا وفرنسا في ملفات الاتحاد الأوروبي.
وترى باريس في دعم الأكراد ورقة توازن أمام أنقرة، مع حرصها على عدم إعلان دعمها لانفصال الأكراد عن الحكومة المركزية في سوريا.
رابعًا: التنافس مع واشنطن وموسكو
إن الدعم الفرنسي لأكراد سوريا يمنح باريس موطئ قدم مستقلًا نسبيًا داخل سوريا، ويُبقيها طرفًا فاعلًا في أي تسوية سياسية محتملة. كما يرحب الأكراد بالدعم الفرنسي لأنه يخفف من ارتهانهم الكامل للموقفين الأميركي أو الروسي.
خامسًا: تأثير القيم الفرنسية
تلعب “القيم” دورًا محوريًا كأداة من أدوات السياسة الخارجية للولايات المتحدة ولمعظم الدول الأوروبية. وعلى الرغم من أن هذه الدول كثيرًا ما تتجاوز معيار القيم كمحدد ثابت وموثوق في صياغة سياساتها الخارجية ومواقفها المؤيدة أو المعارضة في إدارة الصراعات الدولية، فإن التأكيد على مرجعية القيم لا يمكن تجاهله.
وبناءً على ذلك، ترى فرنسا أن دعمها لأكراد سوريا يحافظ على صورتها بوصفها “حامية لحقوق الإنسان”، وتجد في التجربة الكردية، ولا سيما مشاركة النساء والإدارة المحلية، رأسمالًا رمزيًا يخدم خطابها الخارجي، مع إدراكها لحدود المثاليات، وللتهم الموجهة لها بالنفاق السياسي.
سادسًا: وضوح الموقف الفرنسي وحدود الحساسية
من الواضح أن موقف فرنسا المؤيد لأكراد سوريا يتسم بالوضوح والعلانية، وبقلة الحساسية تجاه مصالح الأطراف الأخرى. ويمكن إرجاع ذلك إلى ضعف الدولة المركزية في دمشق، وعزلتها على المسرح الدولي إثر ردّة الفعل الإجرامية لسلطات بشار الأسد على دخول وتدخل الجماعات الإرهابية التي تغطت بعباءة الإسلام، والمدعومة من جهات عربية وأجنبية.
هذا الضعف والعزلة أتاحا للأكراد هامشًا من المناورة وبناء تحالفات مع قوى مناوئة لحكومة بشار الأسد، أو تسعى إلى نفوذ داخل سوريا.
كما ساهم التنظيم العسكري والإداري للأكراد، الذي ظل متماسكًا وقابلًا للتنسيق، في تعزيز الثقة الفرنسية الزائدة بهم، فضلًا عن التعاطف الدولي مع مظلومية الأكراد، ما منح أي تدخل شرعية دولية نسبية، وخفّف كلفة الدعم سياسيًا.
سابعًا: حدود ومحددات التحالف الفرنسي–الكردي
ليس من المناسب وصف هذا التحالف بأنه مستدام أو مطلق، أو الاعتداد به كضمانة دائمة لسياسات الحزب الكردي. ففرنسا لا تعترف بدولة كردية مستقلة، وليست في وارد الصدام مع تركيا، شريكها في حلف شمال الأطلسي.
وعليه، يمكن وصف الدعم الفرنسي للأكراد بأنه دعم تكتيكي، وظيفي، جيوسياسي، وقيمي، مرتبط بملفات محددة، مثل: مكافحة الإرهاب، والاستقرار المحلي، وإدارة المفاوضات مع الحكومة السورية، والتوازنات بين الدول الكبرى، وحماية إسرائيل من التهديد السوري المحتمل، ومصلحة فرنسا أولًا وأخيرًا.
ثامنًا: اختلاف الموقف من أكراد الدول الأخرى
أخيرًا، يختلف موقف فرنسا من أكراد سوريا عن موقفها تجاه أكراد العراق وإيران وتركيا. وهذا الاختلاف ليس أيديولوجيًا بقدر ما هو براغماتي جيوسياسي، مرتبط بطبيعة الدولة المعنية، وحجم المصالح، وكلفة الصدام.
فالصدام مع دولتي تركيا وإيران له كلفة عالية إقليميًا ودوليًا. في المقابل، فإن الكلفة السياسية لدعم أكراد سوريا منخفضة، والعائد الاستراتيجي واضح. لذلك يقتصر الدعم الفرنسي لأكراد الدول الأخرى على بيانات فضفاضة ومواقف عامة.






