كيف أصبحت “مشيها” عنوان التكيف مع الخطأ

53 دقيقة ago
كيف أصبحت “مشيها” عنوان التكيف مع الخطأ

البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
(العنوان مستوحى من توصيف لفيديو منشور للإعلامي عامر الرجوب بعنوان مشيها)
حين استخدم الإعلامي عامر الرجوب تعبير “مشيها”، لم يكن يستحضر لفظًا دارجًا وعابرًا، بل كان يلتقط مزاجًا عامًا، وحالة نفسية متكررة في الشارع والمؤسسات، وفي النقاشات اليومية التي تقول، الأمور لا تسير كما ينبغي، لكن دعها تمضي، “مشيها”.
هنا، تخرج الكلمة من سياقها الشعبي، وتتحول الكلمة من نكتة إلى مرآة لوعي اجتماعي، يدرك الخلل، لكنه اعتاد عليه، وتكيّف معه، بل وتعلّم كيف يتعايش معه دون صدام. ومع الزمن، لا تعود “مشيها” مجرد تعبير لغوي، بل تتحول إلى منطق تفكير، وسلوك، ونهج غير مكتوب لإدارة الواقع.
في السياسة كما في الاجتماع، هناك كلمات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل داخلها منظومة كاملة من القيم والتصورات. ومع التكرار، تتحول من تعبير عابر إلى سياسة غير معلنة. “مشيها” واحدة منها، لا تُرفع كشعار، ولا تُدوَّن في برنامج، لكنها تُمارَس يوميًا كخيار صامت، يختصر الطريق على المسؤول، ويؤجل مواجهة الخلل باسم الواقعية، بدل إصلاحه. وهكذا، تصبح “مشيها” فلسفة كاملة تُدار بها الحياة، فيما يدفع المواطن ثمنها، وتتأكل معها الثقة.
حين تُقال “مشيها”، فهي لا تعني الحل، بل تأجيله، ولا تعني التسامح، بل التكيّف مع الخطأ، ولا تعني الحكمة، بل الاستسلام المقنّع. إنها الجسر القصير بين الخطأ وتطبيعه، وبين الفشل وتبريره، وبين الظلم والاعتياد عليه.
في الحالة الأردنية، أصبحت “مشيها” حالة ذهنية وسلوك إداري، وثقيلة في نتائجها، ولها أثر سياسي مباشر. هي ذهنية تسللت بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدت في كثير من الأحيان أحد أساليب الادارة غير المعلنة، تستدعى كلما طال الانتظار، وغاب الحل، واستُسهل تجاوز المشكلة بدل معالجتها.
بدأت “مشيها” كاستجابة اجتماعية للتسامح وتجنّب الاحتكاك، ثم انتقلت تدريجيًا إلى الحقل الإداري، قبل أن تتسلل إلى المجال السياسي بمعناه الواسع. في الشارع تعني التغاضي، وفي المؤسسة تعني التسويف، وفي الإدارة العامة قد تعني التجاوز باسم التسهيل. ومع تراكم السنوات، لم تعد سلوكًا فرديًا، بل ثقافة تشكّلت حين أصبح تجاوز المشكلة أسهل من حلّها، وتدوير الزوايا أقل كلفة من فتح الملفات.
وحين تُؤجَّل المعالجة، ويُكافأ الخطأ بالصمت، لا نكون أمام مرونة، بل أمام خلل في مفهوم الإدارة ذاته.
في المشهد اليومي الأردني، تتكرر “مشيها” بصور شتى، تأخير معاملة؟ مشيها. خلل في خدمة عامة؟ مشيها. واسطة تتجاوز النظام؟ مشيها. وفي التعليم، تُستخدم لتبرير الاخفاق، وفي الإدارة لتسويغ الاستثناء، وفي بعض المواقع لتطبيع المحسوبية.
ومن موقع تجربة شخصية (الموثق منها او بشهود)، لا من موقع تنظير، تتضح خطورة هذه الذهنية حين تتحول “مشيها” إلى أداة ضغط على النظام نفسه. حين كنت رئيسًا لجامعة البلقاء، تدخّل أحد المسؤولين آنذاك عدة مرات، لإنجاح طلبة رسبوا في الامتحان، وحين رُفض الطلب جاء الرد، يا أخي مشيها، إيش خسران؟ وزراء سابقون، كانوا في مواقع أكاديمية متقدمة، تدخلوا لتمرير ترقية على بحوث غير منشورة أصلًا. أحدهم قالها صراحة، مشاني، مشيها، والأخر وهو على رأس عمله، بدنا نساعد، كما طالب بإعادة مفصولين بقرارات مجالس تأديبية بسبب استلال وسرقات علمية بحجة، ما في داعي، تجاوزوها، كنا نمشيها، وعندما جاءه الرد بان الجامعات العالمية تعتبر مثل هولا كتلة سرطانية يجب استئصالها فوراً من الجسم الأكاديمي، ومثل هولا في العادة يختفون، لا يجب ان يبقوا منظرون ليتسلقوا الى مواقع قيادية، كان رده ايضاً بدنا نساعدهم، وهناك غيرهم الكثير. وفي حالة طلب منح رتب أكاديمية بأثر رجعي رغم مخالفة النظام وتحميل الجامعات أعباء مالية وإدارية، كان الجواب ذاته، مشيها، وين المشكلة، انت مش دافع شيء؟ وشخص اخر، يطلب نقل مدير مكتب الرئيس، من مكانه، قائلاً “مشيها، وخليه يجيئني، واتصالات لوقف اصدار كتب ابلاغ من انتهت خدماتهم حكماً تقول “الامور ماشيه خليها ماشيه، بدك تقيم الدين في مالطا”، والطلب بإعادة تعين اشخاص تقديرهم لا يسمح لهم بدخول الجامعة اصلاً، مشيها، غيره بنفس التقدير صاروا قيادات اكاديمية، وهناك غيرها الكثير الكثير من مشيها، الا انها لم تمشي آنذاك كما اردوها. النتيجة ان تحالف مشيها، بمشيك، لأنك الرافض لمبدأ مشيها بدون وجه حق، وتستمر قوة مشيها وترجع تمشي، وكان شيء لم يكن.
هذه ليست حوادث معزولة، بل أعراض لثقافة أوسع، يصبح فيها تجاوز النظام أسهل من احترامه، وتدوير الزوايا أقل كلفة من فتح الملفات.
وهنا يتغير السؤال، ولا يعود، لماذا يحدث هذا؟ بل، لماذا نُتعب أنفسنا؟ ولماذا نُعقّد الأمور؟ مشيها.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن المجتمع الذي يتصالح مع الخلل، يفقد تدريجيًا طاقة تغييره، وتتحول “مشيها” من مرونة اجتماعية إلى خلل بنيوي. فالمسؤول الذي “يمشيها”، بلا وجه حق لا يحل مشكلة، بل ينقل كلفتها إلى مكان اخر.
مشيها، لا تعني الرضا، بل التكيّف القسري، ولا تعني الحكمة، بل خفض سقف التوقعات، ولا تعني الصبر الجميل، بل الصبر المُنهِك. وتصبح شكل ناعم من المخالفات الإدارية، التي لا تُدوَّن في الملفات، لكنها تراكم غضبًا صامتًا.
فالفساد ليس دائمًا مالًا يُنهب أو صفقة تُعقد في الظل. أحيانًا، يكون إغلاق العين عن الخطأ بحجة الظرف. عندها تصبح “مشيها” فسادًا بلا أدلة قانونية واضحة، لكنه يترك جرحًا عميقًا في الثقة العامة، وتفقد الدولة جزءًا من هيبتها دون أن تشعر.
المجتمع الأردني معروف بصبره ووعيه وحرصه على الاستقرار، ومؤمن بقيادته. لكن يطمح بان يكون صبره، مقترن بإصلاح، قبل ان يتحول إلى إنهاك. المواطن الأردني ذكي، قادر على قراءة المشهد، لكن “مشيها” تستنزف هذا الذكاء، وتحوله من أداة نقد إلى وسيلة تكيّف. فيتعلم أن السؤال يُتعب، والاعتراض يكلّف، والصمت أوفر.
الصبر عند الأردنيين له قيمة وطنية، لكن حين يشعر المواطن أن التزامه لا يحميه، بينما التجاوز يُكافأ، تبدأ أخطر مراحل التآكل، انسحاب نفسي، تراجع ثقة، ضعف مشاركة، وغياب الإحساس بالشراكة.
في هذا السياق، كان الملك عبد الله الثاني واضحًا وحاسمًا، وشدّد باستمرار على أن سيادة القانون فوق الجميع، وأن أي تساهل غير مبرر في تطبيقه هو مساس بحقوق المواطنين وضرب لثقة الناس بالدولة. محاربة الواسطة والتراخي الإداري عند الملك، إدانة مباشرة لثقافة مثل “مشيها” حين تتحول إلى غطاء للخلل. رفض مشيها، هنا ليست رفض المرونة، بل رفض المرونة التي تتحول إلى غطاء للتقصير والمحسوبية.
من هنا، فإن كسر “مشيها” غير المستحقة ليس خيارًا إداريًا، بل التزام سياسي وأخلاقي، لأنه يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.
الأردن بلد الحكمة والتوازن، لكن الحكمة شيء، و”مشيها” شيء آخر. الحكمة تعني إدارة الأزمات بعقل بارد ورؤية بعيدة، والعمل الصامت على الحل. أما “مشيها” فهي تأجيل بلا مسار، وتسكين بلا علاج. الحكمة تحمي الدولة، أما “مشيها” فتؤجل أزمتها وتُضعفها ببطء.
“مشيها” تصبح خطرًا حين تُستخدم لتخدير النقاش العام، وحين تتحول المطالبة بالإصلاح إلى ترف، ويُكافأ الصامت ويُتعب السائل. عندها لا تعود تعبيرًا شعبيًا، بل ثقافة تعطيل ناعمة، تؤدي الى تأكل المؤسسات ببط.
أنطونيو غرامشي قال “الأزمات الحقيقية تبدأ حين يصبح اللامعقول مألوفًا”. والخطر حين تدخل “مشيها” غرف القرار، فتُدار الملفات بعقلية التسكين لا العلاج. عندها يبدو الاستقرار قائمًا، لكنه هش، وبذلك تتصلّب الدولة ظاهريًا وتضعف داخليًا. فالدولة لا تُقاس بعدد قوانينها، بل بمدى احترامها.
كسر ثقافة “مشيها” ليس دعوة للفوضى ولا جلدًا للذات، بل إعادة اعتبار للسؤال، وحماية للنقد الجاد، وتفريق بين الصبر الواعي والاستسلام. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الصمت الطويل، بل على العدالة الواضحة والمسؤولية المتكافئة.
الأردن لا تنقصه العقول، ولا القيم، ولا النوايا الحسنة، ما ينقصه أحيانًا هو كسر لحظة مثل “مشيها”، وغيرها من الممارسات، التي تتحول من مرونة اجتماعية إلى عائق وطني.
المجتمع لا ينهار لأن مشاكله كثيرة، بل لأنه يتوقف عن التعامل معها بجدية. وما لم تتحول “مشيها” من قاعدة إلى استثناء، ستبقى الأزمات تمشي، ونحن نمشي ونجرّها خلفنا.
يقول إريك فروم “حين يتكيّف الإنسان مع وضع غير إنساني، لا يصبح الوضع إنسانيًا، بل يصبح الإنسان أقل إنسانية”. وهذا أخطر ما في الأمر. فالإنسان قد يتكيّف ظاهريًا، لكنه ينسحب داخليًا، انسحاب هادئ بلا ضجيج، يُرهق العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويُفرغها من معناها.
وإلى أن نفعل ذلك، ستبقى “مشيها” تمشي، ونمشي نحن معها، خطوة إلى الأمام، وخطوات في المكان نفسه، إن لم تكن إلى الخلف.