الضمان الاجتماعي بين ضرورة الإصلاح وواجب الحوار الوطني

26 فبراير 2026
الضمان الاجتماعي بين ضرورة الإصلاح وواجب الحوار الوطني

د. هاني العدوان

حرصت على حضور اللقاء الوطني الحواري الذي دعت إليه اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الأردنية، إدراكا لأهمية ملف الضمان الاجتماعي وحساسيته الوطنية والاجتماعية ورغبة في متابعة النقاش المباشر حول مشروع القانون المطروح وما يثيره من تساؤلات واهتمامات واسعة في الشارع الأردني
وقد احتضن مقر الحزب الشيوعي الأردني هذا اللقاء باعتباره مساحة مسؤولة للنقاش العميق في إطار حوار وطني تحكمه المسؤولية وتضبطه المعطيات
لقد تحول ملف الضمان الاجتماعي إلى قضية تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأردنيين جميعا، وأصبح اختبارا حقيقيا لنهج الدولة في إدارة الملفات الحساسة المرتبطة مباشرة بأمن الناس المعيشي ومستقبل أجيالهم
ومن هنا برزت أهمية اللقاء الوطني الحواري الذي دعت إليه اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الأردنية باعتباره مساحة مسؤولة للنقاش العميق
اللقاء من حيث التنظيم والحضور ونوعية النقاش عكس درجة عالية من الوعي الوطني
فقد كان واضحا أن القضية تجاوزت الإطار النخبوي الضيق وأصبحت شأنا مجتمعيا واسعا
الحضور القوي وتجاوز القاعة قدرتها الاستيعابية والنقاشات الجانبية التي لم تتوقف، كلها مؤشرات على إدراك الأردنيين أن الضمان الاجتماعي شبكة أمان وطني واستحقاق اجتماعي لا يجوز المساس به أو التعامل معه بخفة
كما يستحق المتحدثون الرئيسيون في اللقاء بما قدموه من طرح قانوني واقتصادي واجتماعي قيم الإشادة والتقدير، فقد قدموا قراءة عميقة للواقع بعيدا عن المبالغة أو التطمين غير المبرر وأعادوا النقاش إلى أساسه العلمي والمهني
كذلك فإن إدارة الحوار بروح منظمة ومسؤولة أسهمت في تحويل الندوة إلى ورشة تفكير حقيقية
غير أن جوهر القضية لا يقف عند حدود اللقاء ذاته وإنما يتصل مباشرة بالنهج الحكومي في التعامل مع مشروع قانون الضمان الاجتماعي
فالحكومة رغم الهبة الشعبية الرافضة للقانون اكتفت بتعديلات محدودة أعلنت عنها مؤخرا وقدمتها باعتبارها استجابة كافية
بينما يرى قطاع واسع من المختصين والرأي العام أن جوهر الإشكال ما زال قائما وأن المعالجة المطروحة جزئية ولا ترتقي إلى مستوى التحديات
الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في نصوص القانون المقترح وإنما في الفلسفة التي يقوم عليها، فالضمان الاجتماعي مؤسسة ذات بعد اجتماعي ووطني عميق وعقد طويل الأمد بين الدولة والمواطن وأي تعديل قانوني يفترض أن يعزز الثقة بهذا العقد ويصون استقراره
النقاش الذي دار في الندوة كشف عن وجود توافق واسع على ضرورة إعادة صياغة قانون الضمان لكن ليس بالصيغة التي تطرحها الحكومة حاليا
فالإصلاح المطلوب يبدأ من الإدارة الرشيدة وترشيد النفقات وتحسين كفاءة الاستثمار وضبط تعدد مراكز القرار والاستفادة من الدراسات الاكتوارية السابقة التي حذرت منذ سنوات من مسارات الخلل دون أن تحظى بالاهتمام الكافي في حينه
كما برزت ضرورة توسيع مظلة الضمان لتشمل فئات ما زالت خارج التغطية خاصة العاملين لحسابهم الخاص وبعض قطاعات الاقتصاد غير المنظم
فتعزيز الشمول التأميني يحمي الأفراد ويقوي المركز المالي للصندوق ويعزز استدامته على المدى الطويل
أما مجلس النواب، فتقع عليه اليوم مسؤولية وطنية مضاعفة، فالمطلوب ممارسة الدور الرقابي والتشريعي الحقيقي وفتح حوار وطني واسع يفضي إلى قانون توافقي يحقق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية
القانون الذي يحتاجه الأردنيون قانون يعزز الثقة والاستقرار ويطمئن العامل والمتقاعد والشاب المقبل على سوق العمل بأن حقوقه مصونة، وأن المؤسسة التي تحمل اسمه تعمل بمنطق الدولة الاجتماعية وبروح المسؤولية الوطنية
نعم الضمان الاجتماعي بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة قانونية وإدارية وهذه الصياغة يفترض أن تكون نتاج حوار وطني صريح وشامل تشارك فيه النقابات والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية، لا استجابة متأخرة لضغط الشارع أو معالجة تقنية لملف ذي أبعاد اجتماعية واقتصادية عميقة
فالضمان في جوهره يمثل ركنا أساسيا من أركان الاستقرار الاجتماعي وانعكاس لثقة المواطن بدولته، وأي قانون لا يعزز هذه الثقة سيبقى موضع تساؤل وإشكالية قائمة مهما بلغت دقة صياغته الفنية