د. هاني العدوان
حين يخرج نائب في مجلس الأمة عبر وسائل الإعلام ويتحدث بالأرقام عن رشاوى دُفعت لبعض النواب مقابل تمرير قوانين ومواقف سياسية فإن الوطن يدخل منطقة خطيرة عنوانها سقوط الهيبة السياسية والأخلاقية
النائب مصطفى العماوي تحدث عن عشرين ألفًا وثلاثين وخمسين ومئة ألف وثلاثمئة ألف وأراض ومنافع
أي أن القضية لم تعد همسا في الصالونات ولا تسريبات من خلف الكواليس بل وقائع صادمة وضعت الأردنيين أمام مشهد ثقيل يجرح صورة الدولة ويهز ثقة الناس بالمؤسسات
إذا كانت الأموال قد دُفعت لشراء المواقف فالحكومة راشية
وإذا كانت بعض الأصوات النيابية قد بيعت فهناك نواب مرتشون
والرشوة لا تُمرر قانونا فقط بل تُسقط قيمة العدالة وتحول الوطن إلى ساحة نفوذ وصفقات
في الدين لُعن الراشي والمرتشي لأن الرشوة تأكل الحق وتقتل الوطن
وفي القانون تُعد من أخطر الجرائم التي تضرب هيبة الدولة وتنسف ثقة الشعب بالمؤسسات العامة
كيف يثق المواطن بقوانين صيغت تحت ظلال المال
كيف يقتنع الشباب أن مستقبله محفوظ بينما تُباع المواقف السياسية بالحقائب والأراضي
وكيف يطلبون من الناس احترام القانون إذا كان بعض من يشرعون القوانين قد سقطوا في مستنقع الرشوة
الأردني الذي يركض خلف راتب بالكاد يكفيه يسمع اليوم عن مئات الآلاف تتنقل لشراء الذمم
موظف ينتظر علاوة
وشاب يبحث عن فرصة عمل
ومتقاعد يواجه الغلاء
وأسر تعيش بلا غطاء
وفي المقابل هناك من يحول السياسة إلى تجارة مفتوحة على حساب الوطن
الناس لم تعد تريد خطابات مطاطة ولا بيانات تخدير
الشعب يريد محاسبة حقيقية تبدأ من أعلى المستويات وتصل إلى كل من تلوث بالمال السياسي
يريد كشف الأسماء
وكشف الملفات
وكشف كل من شارك أو سكت أو غطى أو توسط
والشعب الأردني اليوم يتطلع إلى جلالة الملك صمام الأمان وحامي الدستور لاتخاذ خطوات حاسمة تعيد للدولة هيبتها وتؤكد أن الأردن أكبر من الفساد وأقوى من العابثين بمؤسساته
فالأردنيون يريدون دولة قانون لا دولة صفقات ويريدون عدالة تعلو فوق النفوذ والمال والمصالح الضيقة
الأردن أكبر من الفاسدين
وأكبر من تجار النفوذ
وأكبر من الذين ظنوا أن الوطن يُدار بالرشاوى وشراء الولاءات
لهذا ترتفع اليوم أصوات الأردنيين مطالبة بإقالة الحكومة ومحاسبة كل من تورط وحل مجلس فقد هيبته أمام الناس
فالسكوت على هذا المشهد يعني فتح أبواب اليأس والغضب وفقدان الثقة بكل شيء
الوطن يحتاج حكومة إنقاذ وطني تعيد للدولة هيبتها وللقانون احترامه وللمواطن كرامته
حكومة تنظف المؤسسات من الفساد وتغلق مزادات السياسة وتعيد بناء الثقة بين الشعب والدولة
الأردنيون لا يطلبون المستحيل
كل ما يريدونه وطن تحكمه النزاهة ويحميه القانون وتُصان فيه كرامة الناس
وطن لا يُباع فيه القرار ولا تُشترى فيه الذمم ولا يتحول فيه الفساد إلى أمر عادي يمر بلا حساب
لقد بات الوطن بأمس الحاجة إلى تطهير سياسي حقيقي يعيد الثقة بالدولة ويؤكد أن الأردن سيبقى أقوى من الفاسدين ومن كل من حاول العبث بمستقبل شعبه ومؤسساته






