في جنوب لبنان.. الصامد.. الباكي بصمت ..المتشبث بالحق والمقا.و.مة، كانت آمال خليل وزميلتها زينب فرج تمضيان في مهمة صحفية جديدة.
د. رلى الفرا الحروب
لم تكونا تحملان سوى الكاميرا والميكروفون… والحقيقة العارية.
وعلى مقربةٍ منهما، استهدفت سيارة مدنية فجأة، دون سابق انذار، وتحولت في لحظة إلى كتلة من نار ودخان. لم يكن واضحًا إن كانت سيارتهما أم لا، لكن المشهد كان كافيًا ليقلب كل شيء.
انشقّ الهدوء.
حلّقت الطائرات في السماء، تبعتها المسيّرات كعيون لا تنام.
لم يكن هناك اشتباك، ولا إنذار، ولا هدف عسكري ظاهر… فقط نار تسقط من الأعلى، وذعر يمزق سكون الأرض.
وسط الفوضى، ركضت آمال وزينب. تتعثران، تتشبثان بالحياة، تبحثان عن أي ملجأ. وجدتَا منزلًا قريبًا، فدخلتاه وهما تلهثان، تحملان ما تبقى من قوة تطفو رغم الخوف والهلع.
في الداخل، حاولت آمال أن تتمسّك بالأمل، فهي الصوت الذي طالما حمل الأمل الى أهل الجنوب.
تواصلت مع فرق الإسعاف والدفاع المدني والصليب الأحمر، تستنجد، تحدد موقعها، تطلب النجدة.
كان الصوت في الطرف الآخر وعدًا بالحياة… لكن العدو كان يسمع أيضًا.
فتلك الاتصالات لم تكن آمنة، لأنه لاشيء في لبنان آمن، بل لا شيء في عالمنا كله آمن بعد ان باتت حياة كل منا معلقة باقمار اصطناعية واتصالات ذكية وبرامج تجسس تخترق ما فوق الارض وتحتها، وتتبع بصمة الصوت والبصمة الحرارية والوجه والملامح وبصمة العين، فالعدو يملك التكنولوجيا، ونحن من يستهلكها.
لم تمضِ دقائق حتى عاد الصوت ذاته—صوت الطائرات. ثم الصمت الثقيل. ثم الانفجار.
قُصف المنزل.
بشكل مباشر.
انهار السقف، وتكسّرت الجدران، وتحول الملجأ إلى ركام. سقطت آمال تحت الحجارة، واختفى صوتها. أما زينب، فبقيت عالقة بين الحياة والموت، تنزف، تحاول أن تصرخ، ثم تهمس، ثم تنتظر.
مرّت الدقائق ثقيلة كالعمر.
حاولت فرق الإسعاف والدفاع المدني الوصول. حاول الصليب الأحمر. لكن القصف استمر، والسماء بقيت مهدِّدة، وجيش القتلة يمنع المسعفين من الوصول، وكأن الطريق أُغلق بإرادة النار. كانت زينب تنزف… وآمال لا تجيب.
تأخر الإنقاذ ساعات، مضت ثقيلة كدهر..
أخره جيش العدو كثيرًا..كثيرا..
فالهدف اسكات صوت امال وزينب..الى الأبد
وحين وصلت قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) أخيرًا، لم يكن هناك وقت لإنقاذ آمال. أُخرجت من تحت الركام… بلا حياة.
أما زينب، فقد نُقلت في حالة حرجة، جسدها مثقل بالجراح، وروحها مثقلة بما هو أثقل. خضعت لسلسلة طويلة من العمليات الجراحية، محاولةً النجاة من إصابات كادت تنهي كل شيء… ومحاولةً أيضًا النجاة من ذاكرة تلك اللحظات.
رحلت آمال.
لكنها لم تكن مجرد اسم.
كانت ملاذا للصحافيين القادمين إلى الجنوب، دليلاً لمن يبحث عن الحقيقة وسط الضجيج، وعلمًا في دنيا الصحافة الاستقصائية. خسارتها لم تكن شخصية، ولا مهنية فحسب—بل كانت خسارة للبنان، وللصحافة، وللحقيقة نفسها.
تلك الحقيقة التي ما فتئت طائرات الاحتلال تستهدفها… في لبنان، وفي غزة، وفي كل مكان.
بقيت زينب.
وبقيت القصة.
قصة صحفية لم تحمل سلاحًا، لكنها دفعت ثمن الكلمة. قصة لحظة واحدة قلبت حياة كاملة وأغلقت كتابا مليئا بالمخاطر والتحديات والبذل والتضحيات…
قصة تأخّر فيها الإنقاذ بل منع عمدا من قبل القتلة، تماما كالطفلة هند رجب والصحافية شيرين ابو عاقلة والمصور سامر أبو دقة..
قصة لم تبدأ معهم ولن تنتهي بهم، ما لم ينتفض العالم في وجه القتلة وتتحرك المحكمة الجنائية الدولية لتعتقل الجناة وتحقق العدالة..
سيبقى الشر عنوان المرحلة إن لم يتحرك أهل الخير لوقفه..
نطالب بالعدالة والقصاص من قتلة الأطفال والصحافيين..
هل من مجيب؟!






