في يوم العلم

6 ساعات ago
في يوم العلم

بقلم: هشام بن ثبيت العمرو

حقٌّ لنا أن نحتفل بالعلم الأردني
ليس العلم الأردني قطعة قماش تُرفع، ولا لونًا يُزخرف السماء في المناسبات؛ إنّه رايةُ مجدٍ مُعَمَّدٍ بوهج التاريخ، وسِفرُ عزٍّ مَشْحونٌ بأنفاس الأجداد، ونبضُ وطنٍ ما انحنى يومًا لريحٍ عاتية ولا ارتهن لزمنٍ مُتقلّب. هو اختزالٌ لملحمةٍ تُروى لا بالحبر، بل بالدم، ولا تُكتب بالكلمات، بل بالمواقف.
حقٌّ لنا—بل واجبٌ علينا—أن نحتفل بهذا العلم، أن نُعانقه بأرواحنا قبل أيدينا، وأن نُقيم له في القلوب مقامًا لا يُزاحمه فيه شيء. فهو راية الثورة، وسِمَة النهضة، وعنوان السيادة التي صيغت بمداد البطولة منذ أن خطّت الأمة أولى سطور كرامتها الحديثة. تحت هذا العلم، تآلفت القلوب، وتوحدت الصفوف، وتكاثفت العزائم حتى صار الأردن قلعةً من قلاع الصمود، وعنوانًا للثبات في زمنٍ تتهاوى فيه العناوين.
أما الأردن، فليس طارئًا على صفحات المجد، ولا هامشًا في كتب التاريخ؛ بل هو متنٌ أصيلٌ، وحاشيةٌ من نور، وجذرٌ ضاربٌ في أعماق الزمن. من أدوم إلى عمّان، ومن الكرك إلى معان، تنبض الأرض بسرديات العزّ، وتهمس الجبال بحكايات الرجال الذين صاغوا المجد صوغًا، وكتبوه كتابةً لا تُمحى. هذا وطنٌ إن ضاقت به الجغرافيا اتّسعت له الهيبة، وإن قلّت موارده عظُم أثره، حتى غدا رقمًا صعبًا في معادلات الإقليم، وصوتًا مسموعًا في محافل العالم.
وفي قلب هذه المسيرة، تقف القيادة الهاشمية شامخةً كالسنديان، حكيمةً كالعقل الراجح، وبصيرةً كعينٍ لا تخطئ الهدف. قيادةٌ لا تُدير الدولة بردود الأفعال، بل تصوغها بإرادةٍ صلبة ورؤيةٍ نافذة، تمسك بزمام التوازن في إقليمٍ مضطرب، وتحفظ للوطن أمنه واستقراره وهيبته. تحت ظلال هذه القيادة، لم يكن العلم مجرد رمز؛ بل صار عهدًا متجددًا بين الحاكم والشعب، وميثاقًا تُصان به الكرامة وتُحفظ به السيادة.
ثم يخرج علينا نفرٌ—تتضاءل فيهم البوصلة، وتضطرب في صدورهم موازين الانتماء—فيتطاولون على العلم، أو يغمزون في رمزيته، أو يلوكونه بألسنةٍ مُلَغَّمةٍ بالتشكيك والعبث. وهنا، يحق لنا أن نتساءل، لا عن أفعالهم فحسب، بل عن جذورهم: أيُّ انتماءٍ هذا الذي يضيق براية وطنه؟ وأيُّ ولاءٍ ذاك الذي ينفر من رمز سيادته؟ وأيُّ ضميرٍ يطاوع صاحبه أن يُهين ما يُقدّسه الأحرار؟
أهؤلاء قومٌ ضلّت بهم الدروب، أم أنّهم استعاروا أصواتًا لا تُشبههم، فصاروا أبواقًا في سوقٍ يبيع الأوطان بثمنٍ بخس؟ أفي صدورهم وطنٌ آخر، أم أنّهم عالقون في فراغٍ لا يعرف للهوية معنى؟ إنّ من يستخفّ بالعلم، إنما يستخفّ بذاكرة شعب، ويطعن في تضحيات أمة، ويُعلن—دون أن يدري—إفلاسه الوطني.
نعم، نحتفل بالعلم، ونرفع الهامات معه، ونُعلّق عليه آمالنا كما علّق عليه الآباء دماءهم. نحتفل به لأنّه نحن، ولأنّنا به نكون. نحتفل به لأنّه لا يهبط حين تعلو الرياح، بل يزداد خفوقًا، ولا ينحني حين تشتد العواصف، بل يزداد شموخًا.
فليغضب من يغضب، وليتهكّم من يتهكّم؛ فالعلم الأردني ليس بحاجةٍ إلى شهادةٍ من عابر، ولا إلى تصفيقٍ من متردّد. يكفيه أنّه خُفِق فوق جباه الرجال، وعانق سماء الكرامة، وبقي—رغم أنف الحاقدين—رايةً لا تُنكّس، وذاكرةً لا تُمحى، ووعدًا لا يُخلف.
حقٌّ لنا أن نحتفل بالعلم الأردني… بل حقٌّ علينا أن نحرس معناه.