د. سعيد محمد ابو رحمه
منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، دخلت الحرب على قطاع غزة طورًا مختلفًا من حيث طبيعتها ونتائجها، حيث لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى أزمة إنسانية مركّبة تضرب المجتمع في عمقه البنيوي. وتكشف الأرقام المتداولة حجم هذه الكارثة بشكل صارخ، إذ تجاوز عدد الشهداء 73,500، مخلفًا نحو 26,370 أرملة و55,157 يتيمًا، وهي مؤشرات لا تعكس فقط حجم الخسارة البشرية، بل تشير إلى تفكك واسع في النسيج الاجتماعي. فكل رقم من هذه الأرقام يمثل وحدة أسرية انهارت، ومنظومة علاقات اجتماعية تفككت، ما يضع المجتمع أمام تحديات وجودية تتجاوز اللحظة الراهنة.
ويزداد هذا المشهد قتامة عندما ننظر إلى موقع الأطفال ضمن هذه المعادلة، حيث يشكلون نسبة كبيرة من الضحايا، مع أكثر من 21,510 طفلًا بين الشهداء، إضافة إلى أكثر من 41,283 طفلًا مصابًا، فضلًا عن أكثر من 8,100 مفقود، كثير منهم ما زالوا تحت الأنقاض. هذه المعطيات تشير بوضوح إلى أن الأطفال لم يكونوا ضحايا عرضيين، بل كانوا في قلب دائرة الاستهداف، سواء بحكم طبيعة القتال في مناطق مكتظة، أو نتيجة استخدام قوة نارية عالية في بيئة مدنية مغلقة. وفي هذا السياق، تبرز خطورة الإصابات التي تعرض لها الأطفال، حيث تم تسجيل نحو 15 حالة يوميًا لإعاقات دائمة، إلى جانب 864 حالة بتر، و1,268 إصابة في الدماغ والنخاع الشوكي، إضافة إلى مئات الحالات التي فقد فيها الأطفال أطرافهم أو حواسهم الأساسية، وهو ما يعني عمليًا إنتاج جيل كامل مثقل بإعاقات جسدية ونفسية معقدة.
إن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الدمار، بل تكشف أيضًا عن تحولات عميقة في بنية المجتمع. فارتفاع عدد الأيتام إلى أكثر من 55 ألفًا يعني أن عشرات آلاف الأطفال سيكبرون في غياب أحد الوالدين أو كليهما، وهو ما ينعكس على مستويات التعليم، والاستقرار النفسي، وفرص الاندماج الاجتماعي. كما أن وجود أكثر من 26 ألف أرملة يضع عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا على النساء، في ظل بيئة منهارة اقتصاديًا، ما يعزز من احتمالات اتساع رقعة الفقر، وتراجع القدرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. ومع استمرار وجود آلاف المفقودين، تبقى مئات العائلات عالقة في حالة “فقدان غير مكتمل”، حيث لا موت مؤكد ولا حياة مستمرة، وهو ما يفاقم الأثر النفسي للحرب.
على المستوى الصحي تعكس هذه الأرقام انهيارًا شبه كامل في المنظومة الطبية، التي باتت عاجزة عن التعامل مع هذا الحجم من الإصابات، خاصة تلك التي تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد، مثل إصابات الدماغ والبتر. فوجود آلاف الأطفال من ذوي الإعاقة في بيئة تفتقر إلى خدمات التأهيل والدعم النفسي يعني أن الأزمة ستستمر لعقود، ولن تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية. وهذا ما يحول الحرب من حدث مؤقت إلى حالة ممتدة من المعاناة، تتوارثها الأجيال.
سياسيًا أصبحت هذه المعطيات جزءًا من معركة السرديات على المستوى الدولي، حيث تُستخدم هذه الأرقام لتسليط الضوء على الانتهاكات المحتملة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولتعزيز الخطاب الذي يصف ما يجري ضمن إطار الإبادة الجماعية. هذا التوصيف لا يحمل فقط بعدًا أخلاقيًا، بل يفتح الباب أمام تداعيات قانونية وسياسية كبيرة، تشمل احتمالات الملاحقة الدولية، وتزايد الضغوط على الحكومات الداعمة لإسرائيل، خاصة في ظل تصاعد تأثير الرأي العام العالمي.
تكشف هذه الأرقام أن الحرب على قطاع غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى عملية إعادة تشكيل قسرية للمجتمع، تُنتج واقعًا ديموغرافيًا واجتماعيًا جديدًا يقوم على الفقد والعجز والتفكك. فالتحدي لم يعد فقط في وقف الحرب، بل في كيفية التعامل مع إرثها الثقيل، الذي يتمثل في عشرات آلاف الضحايا، ومئات آلاف المتضررين، وجيل كامل نشأ تحت وطأة العنف والحرمان. وهذا مما يجعل مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها، حيث ستكون إعادة بناء الإنسان، قبل الحجر، هي التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين والمجتمع الدولي على حد سواء.






