الكاتب د. محمد عبدالله القواسمة
وصل وزوجته إلى منطقة الأكواخ، فقد حجز كوخًا يقيم فيه مع زوجته؛ ليسترجعا ذكريات الماضي، ويبتعدا عن ضوضاء المدينة، وهم البيت، وشغب الأولاد والأحفاد، وتعب المطبخ.
أحضرهما ابنهما إلى المكان بسيارته، وأرى بطاقتيهما إلى موظف على مدخل منطقة الأكواخ؛ ليتأكد أنهما زوجان، مع أنهما أنهيا سنوات النشاط والتكاثر بدزينة من الذكور والإناث.
والمكان سفح جبل، يصعد من وسطه طريق إسمنتية، على جانبيها أعمدة من سيقان الأشجار الجافة، وتتفرع منها ممرات تؤدي إلى عدة أكواخ لا تتجاوز الستة، وأمام كل كوخ مساحة خاصة فيها كراسي قديمة، وطاولة بلاستيكية صغيرة، ومرجوحة بين الشجر علاها الغبار، وأتلفتها حرارة الشمس.
لم يكن الكوخ بالمعنى الذي في مخيلتيهما، أي بيت من جذور الأشجار وسيقانها وأغصانها وأوراقها، فلم يكن غير غرفة صغيرة، فبها خزانة متهالكة، وسرير مزدوج، وثلاجة صغيرة، ومروحة معلقة على الحائط أمام السرير، وبها دورة مياه داخلية. لكن جدرانها وسقفها من الخشب على طراز البيوت الأمريكية، التي تُشاهد في أفلام الكاوبوي في الغرب الأمريكي.
كانت الحرارة في داخل الكوخ أو الغرفة شديدة، لم تقدر المروحة الدائرة على الحد منها. فرأت الزوجة أن يتناولا طعام الغداء تحت الشجر، في المساحة المخصصة لكوخهما.
ما إن جاء الطعام حتى هاجمهما الذباب. ذلك النوع كبير الحجم واللحوح، تطرده فيرتد إليك بسرعة حتى إنه يكاد يرافق اللقمة إلى الفم. ثم توالى وصول القطط لتنتشر تحت الطاولات وبين أقدامهما.
كان النزلاء يمرون بهما إلى الأكواخ العليا، وهم عابسو الوجوه، لا يطرحون التحية فلا يتيحون لهما دعوتهم إلى طعامهما، أو الحديث إليهم.
لم يستطيعا ترك المكان للتجول تحت الشجر حتى لا يدخلا في المساحة المخصصة لكوخ آخر، فكأنهما قدما من المدينة لينحشرا في غرفة بين الشجر.
انتظرا حتى جنحت الشمس إلى المغيب، فانتقلا إلى شرفة غرفتهما لمراقبة الغروب، والإطلالة على الجبال المتطاولة أمامهما. أحسا بأن الرحلة بدأت وهما جالسان على الشوفة. الغابة هادئة، والشمس تودع المكان، ونسائم رقيقة تداعب وجهيهما، وفيروز تفتتح الجلسة بأغنية قديمة لها “يما الحلو”.
حين غابت الشمس، وأضيئت مصابيح الكهرباء المعلقة على أسلاك الكهرباء الممتدة بين الأشجار، شغلت الزوجة جهاز الهاتف النقال على أغنية “الأطلال” بصوت وديع الصافي. وانساب اللحن مع لحن الطبيعة ليبعث في قلبيهما السكينة والمتعة، وفي روحيهما الانسجام والتناغم مع الليل، وحفيف الأشجار، وأضواء الكهرباء.
انتبها إلى عائلة كبيرة تصعد إلى الغرفة التي خلفهما. لم يكد يستقر بها المقام حتى علا صراخ أفرادها وصياحهم، ونقاشاتهم الصاخبة. اضطرب كيان الزوجين المادي والنفسي. تساءلت الزوجة عن هذه القضية التي تركت العائلة من أجلها المدينة وجاءت لتناقشها هنا بطريقة بدائية. هم أن يذهب ليطلب منهم الهدوء، خاصة وأن الصوت تتضاعف قوته في الليل. لكن الزوجة رجته ألا يذهب، حتى لا يتطور الأمر بينه وبينهم إلى شجار. هي ليلة وتمضي.
بعد منتصف الليل زاد صخب الجيران، وزادت برودة الجو. دخلا الغرفة. لم يناما؛ فالبرد في الداخل والنباح والصراخ والشتائم والألفاظ البذيئة في الخارج.
في الصباح، كان السكون يخيم على المكان، ونسائم ناعمة تـأتي من الغرب. خرجا أمام الكوخ، وطلب الزوج طعام الإفطار، وراح ينظر في جهازه الخلوي. مدت يدها ووخزته في كتفه. انتبه إليها، أشارت إلى قط أسود كان ينظر إليه بغرابة، ألقى نحوه حصاة فلم يتحرك. شاهد زوجته وهي ترتعش، ثم تنهض وهي تقول:
– لن أبقى هنا.
انتقل الخوف إلى الزوج.
عادا إلى الغرفة، وبقي القط يتجول في الساحة.
عندما جاء العامل بطعام الإفطار، شكا له الزوج من القط الأسود. نفى أن يكون في المكان كله أي قط أسود. زاد خوفهما. قال الزوج إنه سيتصل بابنه ليعودا إلى المدينة، لم يقتربا من الطعام، مع أنه من نتاج البيئة وفي آنية من الفخار، مكون من زيت وزعتر، وسمنة بلدية وجبنة، وخبز طابون.
بعد ساعة وصل ابنهما. تعجب المسؤول من عدم تناولهما الطعام، ومن قطع رحلتهما دون إتمام يوم على الأقل. قال الزوج:
– بصراحة المكان غريب لم نطمئن فيه.
وهما في السيارة لامهما الابن على تركهما المكان بسرعة. أجابت أمه بدلًا من والده:
– أنت لم تر ذلك القط الأسود.






