المحامي الدكتور يوسف محمد البشتاوي … رجل وطني بحجم المسؤولية والضمير

3 ساعات ago
المحامي الدكتور يوسف محمد البشتاوي … رجل وطني بحجم المسؤولية والضمير

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

ليس كل من ارتدى عباءة القانون صار محاميًا بالمعنى العميق للكلمة، فالمحاماة ليست نصوصًا تُحفظ ولا مواد تُستدعى عند الحاجة، بل هي وعيٌ يتشكّل، وموقفٌ يُتخذ، وشجاعةٌ تُمارس حين يصعب الوقوف في هذا المعنى تحديدًا، يبرز اسم الدكتور يوسف محمد البشتاوي بوصفه نموذجًا مختلفًا في المشهد القانوني الأردني، رجل لم يتعامل مع القانون كحرفة يومية، وإنما كقضية فكرية وأخلاقية ومسؤولية عامة.

منذ بداياته، لم يكن البشتاوي محاميًا عابرًا في أروقة المحاكم، ولم يكن حضوره تكرارًا لوجوه اعتادت الوقوف خلف المنصات حيث كان واضحًا أن الرجل يحمل تصورًا مختلفًا لمعنى العدالة، وأنه لا يرى في المحاماة مجرد دفاع عن ملف، وإنما دفاع عن فكرة، وعن إنسان، وعن توازن دقيق بين النص والضمير لذلك، لم يكن حضوره صاخبًا، لكنه كان دائم الأثر، يترك بصمته بهدوء الواثق لا باستعراض الباحث عن الأضواء.

ما يميّز يوسف البشتاوي أن خطابه القانوني لم ينفصل يومًا عن عمقه الفكري فهو لا يتعامل مع القوانين بوصفها مواد جامدة، بل يقرأ خلفها الفلسفة التي صيغت من أجلها، والغاية التي وُضعت لحماية المجتمع لا لتعقيده فهذا الوعي جعله محاميًا قادرًا على فهم السياق، وعلى قراءة المشهد الكامل، لا الاكتفاء بزاوية ضيقة من النصوص ولهذا، جاءت مرافعاته أقرب إلى بناء منطقي متماسك، لا مجرد ردود فعل قانونية آنية.

وفي مرحلة باتت فيها المهنة مهددة بالتحول إلى روتين بارد، حافظ البشتاوي على إنسانيته المهنية حيث لم يتعامل مع القضايا كأرقام، ولا مع المتقاضين كملفات، بل ظل يرى الإنسان قبل القضية، والحق قبل المكسب، والعدالة قبل الشهرة وهي معادلة صعبة لا ينجح فيها إلا من امتلك توازنًا داخليًا عاليًا بين الطموح والضمير، وبين المعرفة والمسؤولية.

ولعلّ ما يمنح تجربته هذا العمق الإنساني الواضح، هو علاقته المتينة بالمجتمع الأردني، حيث لم يبقَ القانون عنده حبيس المكاتب ولا محصورًا في لغة المحاكم، وإنما امتدّ إلى الناس وهمومهم وتفاصيلهم اليومية حيث يتمتع البشتاوي بعلاقات اجتماعية مميزة جدًا، مبنية على الاحترام والثقة والتواصل الحقيقي، لا على المجاملة أو المصالح العابرة حيث يعرفه الناس قريبًا منهم، يسمع قبل أن يتكلم، ويفهم قبل أن يحكم، ويتعامل مع المجتمع بوصفه شريكًا لا جمهورًا وهذه العلاقة المتوازنة مع مختلف الأطياف، من قانونيين ووجهاء ومثقفين وشباب، جعلته حاضرًا في الوعي العام كشخصية قانونية إنسانية، لا كاسم مهني فقط، وأكسبته قبولًا واسعًا ومكانة تتجاوز حدود المهنة إلى فضاء الثقة العامة.

لم يكن حضوره محصورًا داخل قاعات المحاكم، بل امتد إلى الفضاء العام من خلال كتاباته وآرائه القانونية التي تمس قضايا المجتمع والدولة والمهنة حيث كتاباته لا تأتي من موقع التنظير، وإنما من موقع التجربة، ومن احتكاك مباشر مع الواقع القانوني، ومع هموم العدالة وتحدياتها لذلك، تحمل كلماته وزنًا خاصًا، لأنها نابعة من معايشة حقيقية لا من رفوف الكتب.

ويُحسب له أيضًا أنه ينتمي إلى مدرسة قانونية تؤمن بأن المحامي ليس خصمًا دائمًا، بل وسيط عدالة، وأن قوة القانون لا تكمن في شدته، بل في عدالته فهذا الفهم انعكس على سلوكه المهني، وعلى طريقة تعاطيه مع القضايا الحساسة، وعلى احترامه العميق لهيبة القضاء ودور المؤسسات، دون أن يتنازل عن حق الدفاع الصلب حين يتطلب الموقف ذلك.

يوسف البشتاوي ليس حالة استعراضية في المشهد القانوني، بل حالة هادئة وعميقة، تشبه أولئك الذين يعملون بصمت لكنهم يصنعون الفارق فهو رجل يراكم التجربة لا الاستعراض، ويؤمن أن القيمة الحقيقية للمحامي لا تُقاس بعدد القضايا، بل بنوعية الأثر، وبقدرة الكلمة القانونية على أن تكون منصفة، شجاعة، ومسؤولة.

وفي الخلاصة، فإن الحديث عن الدكتور يوسف محمد البشتاوي هو حديث عن محامٍ اختار أن يكون صاحب موقف قبل أن يكون صاحب لقب، وأن يجعل من القانون مساحة للعدالة لا للمساومة، ومن المهنة رسالة لا مجرد وظيفة وهو بهذا المعنى، يمثل نموذجًا يُعتد به في واقع أحوج ما يكون فيه المشهد القانوني إلى شخصيات تعرف كيف توازن بين النص والحق، وبين الصلابة والإنسان.