د.محمد عبد الله القواسمة
«روح الحكاية» مجموعة من القصص القصيرة جدًا للأديب منير عتيبة من مصر، وصدرت عام 2014م في الإسكندرية، عن مؤسسة حورس الدولية في 111 صفحة من القطع المتوسط، وحازت على جائزة الدولة التشجيعية عام 2016م.
يُقدم منير عتيبة روح حكايته في سياقات سردية مختلفة، يمكن معاينتها من خلال ما أطلق عليه المفارقة الوجودية، وهي المفارقة، التي تبعث التوتر الدلالي بين الحياة ومعناها، بين الوجود والعدم، بين الحضور والغياب وغير ذلك، ولعل من الصائب تقديم نماذج تطبيقية عن هذه التقنية المهمة في المجموعة، ويسمح لنا صغر المساحة النصية للقصة القصيرة جدًا أن نورد القصة كاملة، ومن ثم نتبعها بالقراءة.
تقول قصة «طلب»: «دعوني مستيقظًا؛ فأنا الآن أحلم»(ص68).
فالشخصية تفضل النوم على الاستيقاظ؛ ففي النوم تستطيع أن تحلم بحياة سعيدة، أما في عالم اليقظة فليس غير الانطفاء والخواء، فكأن الحياة لا قيمة لها ولا أهمية، عندما تخلو من الأحلام.
وتقول قصة «اختيار»: «وكان علي أن أختار الموت بالقرب منها، أو الموت بعيدًا عنها فاخترت الحياة»(ص7)
ففي هذه القصة تنحاز الشخصية، كما في القصة السابقة إلى الحياة، فهي تكره الموت، وترفض مفارقة المكان في القرب أو البعد ما دامت تنطوي على الموت، إنه ينحاز إلى مفارقة تنتصر فيها الحياة على الموت.
وتقول قصة «الحكاية»: «إذ هبط آدم، وغضب موسى، وصرخ عيسى، وهاجر محمد.. واقتتلنا»(ص10)
فهنا تقوم الحياة على الصراع، فلم ينجح الأنبياء في تحقيق التعايش بين البشر، وجعلهم يتبعون ما ورد في الرسائل السماوية، فكان الاقتتال بين الناس، وإهمال رسائل السماء.
وتقول قصة «وحدة»: «ثقب لوح الحديد بأصابعه، وثنى العملة المعدنية بين جفنيه، ثم جلس يبكي وحدته»(ص19)
تبدو الشخصية قوية في الظاهر، ولكنها ضعيفة في الواقع، فهي تعيش في وحدة مؤلمة، إنها مفارقة يتجلى فيها الوجود المأساوي للإنسان، الذي يغرق في العزلة والشقاء بعيدُا عن نفسه وعن الآخرين.
وتقول قصة «العتبة»: «تاتا خطى العتبة.. إلى الدنيا. تاتا خطى العتبة إلى قفص الزوجية. تاتا خطى العتبة.. من الدنيا، بعد فوات الوقت تسألني نفسي: ألم تكن كل عتبة تستحق أن تعيشها بدلًا من أن تخطيها؟»(ص37)
نرى الشخصية تتأمل الحياة، التي يتدرج فيها الإنسان من مرحلة الطفولة، ثم إلى مرحلة الزواج، ثم الخروج من الدنيا دون أن يحس بأنه عاش أية مرحلة من المراحل الثلاث. إنها مفارقة وجود الإنسان في الزمن الذي يمضي به إلى مصيره المحتوم، في إيقاع طفولي بريء تعبر عنه كلمة «تاتا»، دون أن يعيش الحياة في مراحلها كلها كما يجب.
وتقول قصة «زيارة»: «كنت؛ وأهل القرية، نؤدي واجبنا المقدس نحو موتانا بقضاء يوم العيد معهم، فنستعيد ذكراهم، ونؤنس وحدتهم… ثم؛ اعتدت وأهل القبور، أن نقضي يوم العيد في القرية الهادئة هربًا من ضجيج الزائرين»(ص14).
تظهر المفارقة الوجودية بين حالتين» حالة في الماضي، وهي حالة انسجام ومحبة بين سكان القرية في يوم العيد الذي يقضونه في زيارة القبور، وبين حالة أخرى معاكسة يضج فيها سكان القبور من الناس يوم العيد ليهربوا إلى القرية، ويتركوا القبور لهم. لقد غدا الإنسان لا يطيق الحياة مع الآخرين، ويفضل أن يعيش مع الموتى.
وتقول القصة التي جاءت تحت عنوان»قصة تحاول أن تكون مسلية»: «بعض الأحداث العادية قد تصنع قصصًا مسلية.. كأن يشارك ابن عمي وابن عمي مع مئات آخرين في معركة، ويقتل الاثنان، ويحصل كلاهما على لقب «شهيد». ويدفنان معًا في مقبرة العائلة رغم أنهما تحاربا في فريقين مختلفين. هل ما زالا يتعاركان في قبرهما؟ ليس هذا سؤالًا مضحكًا، ولم تعد هذه القصة مسلية بالنسبة لي. هل هي كذلك بالنسبة لك؟»(ص47)
نلاحظ أن القصة جاءت في عنوان طويل بخلاف ما هو معروف عن عناوين القصص القصيرة جدًا، وهي تسخر من القتال بين مجموعة من الناس من أصل واحد، ومن عائلة واحدة. كما تسخر من حصول كل قتيل منهم على لقب شهيد، ويتساءل النص في سخرية إن كان العراك مستمرًا في القبر، ويُحال السؤال إلى القارئ في كسر للحاجز الرابع، كما في المسرح البريختي، وفي ذلك دلالة على عبث الحياة، وانعدام معناها.
هكذا بدت روح الحكاية، أي حكاية الوجود في مجموعة منير عتيبة الموسومة بـ»روح الحكاية»، متمثلة في قصص تنحاز إلى الحياة، والرغبة في المحبة والأمن، والبعد عن الحرب والعنف، واحترام الآخر، وفي قصص أخرى يبدو فيها قلق الوجود، والشخصيات المتعبة المتشظية التي تحاول أن تلملم شظاياها، وتجد طريقًا للخلاص. وهي في مجملها قصص تعانق قضايا الوجود الإنساني السريع التغير، من خلال الاعتماد على مفارقات وجودية، تجلت فيها الروح، وهي تواجه عذابات الحياة، وآلام الوحدة والاغتراب. وتوسلت إلى ذلك بلغة مكثفة، وروح ساخرة، وتناصات تراثية، واهتمام بالقارئ مما يضعها في مقدمة الأعمال القصصية القصيرة جدًا.






