الطبقة الوسطى في الأردن: عمود الاقتصاد الذي يتآكل بصمت

ساعتين ago
الطبقة الوسطى في الأردن: عمود الاقتصاد الذي يتآكل بصمت

د: ابراهيم النقرش

لم يكن استقرار الأردن يومًا قائمًا على وفرة الموارد، بل على توازن المجتمع. وهذا التوازن صنعته الطبقة الوسطى. هي التي عملت بصمت، دفعت الضرائب، أنفقت في السوق، علّمت أبناءها، وحملت عبء الدولة حين ضاقت الظروف. لكن اليوم، هذه الطبقة لا تتراجع فقط… بل تتآكل.
المشكلة ليست في رقم راتب لم يتغير، بل في قيمة راتب يتناقص كل شهر. الأسعار ترتفع، الضرائب غير المباشرة تثقل كاهل الجميع، كلف السكن والطاقة والنقل والتعليم تتضاعف، بينما الأجور الحقيقية تراوح مكانها. في الاقتصاد، هذه ليست مجرد شكوى معيشية، بل خلل في معادلة أساسية: حين ترتفع الكلف ولا يرتفع الدخل، ينكمش الطلب، وحين ينكمش الطلب يتباطأ النمو. ومع ذلك نستمر في سماع أرقام عن نمو اقتصادي لا يشعر به أحد.
أي نمو هذا الذي لا ينعكس على موائد الناس؟
الطبقة الوسطى اليوم تعيش على القروض)اسمع لبرنامج السيد عامر الرجوب مقدار ديون المحافظات). لم تعد القروض لشراء كماليات، بل لتغطية أساسيات. أقساط شهرية(البنوك) تستنزف الدخل قبل أن يبدأ الشهر. اقتصاد يعتمد على الاستدانة الاستهلاكية بدل الإنتاج هو اقتصاد يؤجل أزمته ولا يحلها. ومع ارتفاع أسعار الفائدة، يتحول الدين إلى قيد دائم، وتتحول الحياة إلى سباق شهري مع الالتزامات.
الخلل أعمق من مسألة دخل وإنفاق. إنه خلل هيكلي تراكم عبر سنوات من السياسات التائهه المرتبكة، وتبدّل الحكومات دون تبدّل النهج. تتكرر الوجوه، تتكرر الخطط، تتكرر الوعود، والنتيجة واحدة: طبقة وسطى تنزلق تدريجيًا نحو الهشاشة. الناس لا تعرف من أين تأتي هذه التشكيلات الوزارية، ولا على أي أساس تُختار، لكنها ترى النتائج في تفاصيل حياتها اليومية. في الاقتصاد الحديث،” الكفاءة المؤسسية “ليست ترفًا، بل شرطًا للنمو. حين تتقدم (المحاصصة )( والواسطة) على الجدارة، تصبح القرارات أقل فعالية، وتضعف الثقة، ويهرب الاستثمار.
نسمع يوميًا عن مكافحة الفساد، ونسمع يوميًا عن قضايا فساد( طبعاعلى رأي المسوؤلين ليس في الأردن فساد كبير والحمدلله) . نسمع عن تحسن المؤشرات الكلية، لكننا لا نرى تحسنًا في الدخل الحقيقي. هنا تتسع الفجوة بين الاقتصاد على الورق والاقتصاد في البيوت. الأرقام قد تتحسن بفعل مساعدات أو تحويلات خارجية أو حسابات محاسبية، لكن الاقتصاد الحقيقي يُقاس بما يشعر به المواطن عند نهاية الشهر.
اقتصاديًا، ما يحدث خطير. فالطبقة الوسطى هي المحرك الأساسي للاستهلاك، وهي مصدر الاستقرار السياسي والاجتماعي. حين تضعف، يختل التوازن. تتسع فجوة الدخل، تتركز الثروة في يد فئة محدودة، ويصبح المجتمع أكثر استقطابًا.
النظريات الاقتصادية واضحة: إذا كان العائد على رأس المال يفوق نمو الاقتصاد، فإن الفجوة تتسع تلقائيًا ما لم تُصحح بسياسات عادلة. وعندما تُبنى السياسة الضريبية على الجباية بدل التحفيز، فإنها تضغط على من يعمل وتريح من يملك.
الأردن يقدم حالة فريدة؛ دين مرتفع، بطالة مرتفعة، نمو محدود، ومع ذلك لا ينهار الاقتصاد(الله الحافظ). البعض يصفه بالاقتصاد الصامد، لكن الأدق أنه اقتصاد يتحمل. يتحمل عبر تحويلات المغتربين، عبر الاقتصاد غير الرسمي، عبر تكافل العائلات، عبر قدرة الناس على التكيف مع القليل. لكنه صمود يقوم على صبر المجتمع، لا على قوة البنية الإنتاجية. والصبر مورد محدود.
حين يبدأ أفراد من الطبقة التي كانت مستقرة بالبحث عن مصادر دخل هامشية، أو الانخراط في أعمال غير منتظمة، أو حتى التقاط رزقهم من مساحات لم يكونوا يتخيلون الوصول إليها(….)، فهذه ليست قصصًا فردية، بل مؤشرات اقتصادية على انزلاق اجتماعي. البطالة بين الشباب ليست رقمًا في تقرير، بل طاقة معطلة قد تتحول إلى إحباط عام. وتآكل الثقة أخطر من تآكل العملة.
المسألة ليست جلدًا للذات ولا تشاؤمًا مجانيًا. المسألة أن استمرار تآكل الطبقة الوسطى يعني أن الاقتصاد يفقد عموده الفقري. لا يمكن بناء استقرار طويل الأمد على فجوة متسعة بين قلة تملك النفوذ والمال، وأغلبية تكافح لتأمين الأساسيات. ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي دون إصلاح في طريقة الإدارة، وفي معايير الاختيار، وفي ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى ليست شعارًا اجتماعيًا، بل ضرورة اقتصادية. تخفيف العبء الضريبي عن الدخل المتوسط، تحفيز الإنتاج الحقيقي بدل التوسع في الجباية، تمكين الكفاءات، تعزيز الشفافية، وخلق بيئة تنافسية عادلة، ليست مطالب شعبوية، بل شروط بديهية لأي اقتصاد يريد أن ينمو بصلابة.
الأردن لا ينقصه الوعي، ولا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه الإرادة الشعبية لتحمل الصعاب. لكنه يحتاج إلى سياسات تعيد توزيع الفرص لا الأعباء فقط. لأن السؤال اليوم لم يعد: كيف ننمو؟ بل أصبح: من يستفيد من هذا النمو؟
وإذا استمر العمود الفقري بالذوبان، فلن يبقى ما يحمل السقف