طهران وواشنطن ولحظة التعادل بين فرص الدبلوماسية واحتمالات الحرب

3 ساعات ago
طهران وواشنطن ولحظة التعادل بين فرص الدبلوماسية واحتمالات الحرب

كتب: عريب الرنتاوي، المستشار الأول، ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية
ضجيج الحراك الدبلوماسي يطغى على قرع طبول الحرب، فيما المنطقة والعالم، يدخلان “ربع الساعة الأخير” في السباق المحموم بين السياسة والميدان، حيث تقف إدارة الرئيس دونالد ترامب، في بؤرة تجاذبات حادة بين فريقين من حلفائها: الأول؛ ويقوده “ثلاثي الوساطة” الذي على عمل ملفات غزة طيلة أزيد من عامين، والمكون من مصر وقطر وتركيا، وإلى جانبه مروحة من الدول العربية والإسلامية، سعياً لدرء الحرب وضمان الانتقال من الخنادق إلى موائد التفاوض…والثاني؛ تقف فيه إسرائيل وحدها، فوحدها تل أبيب، من تدفع نحو خيار “الضربة النهائية”، أياً كانت عواقبها وتداعياتها، مدفوعة بـ”تقدير موقف”، مفاده أن الفرصة باتت سانحة لإسقاط النظام، وأن نافذتها إن أغلقت، فقد لا تُفتح مجدداً.

الفريق الأول؛ القراءة والحسابات
مدفوعة بقناعة يقينية، مفادها أن الحرب إن اندلعت، فلن تقتصر مفاعليها على الجغرافيا الإيرانية، تتحرك دول الإقليم العربية والإسلامية، لمنع الانزلاق إلى أتون حربٍ جديدة، ستطاول شرارتها وشظاياها الإقليم برمته، سيما بعد أن أوضحت طهران بشكل لا يُبقي مجالاً للشك، بأن “الضربة التالية”، ستستهدف تل أبيب والقواعد الأمريكية في المنطقة.
والظاهر للعيان، أن طهران، وبرغم التأكيدات التي تحصّلت عليها من جميع الدول المحيطة بها، أو القريبة منها، والتي تحتضن قواعد ووجوداً عسكرياً أمريكياً، بأن أراضيها وأجوائها، لن تُستخدم في أي عدوان مقبل عليها، ما زالت تبدي كثيرٍ من الشك، بصدق تلك الالتزامات، والأهم، بقدرة هذه الدول على منع واشنطن فعلياً، لا لفظياً فحسب، من استخدام “موجوداتها” العسكرية في الحرب المقبلة.
كما أن دول المنطقة، وواشنطن من قبلها، تدرك حقيقة أن عجز إيران عن استهداف الولايات المتحدة في عقر دارها، أو في قواعدها النائية وأساطيلها المبحرة في أعماق البحار والمحيطات، سيدفعها لضرب واستهداف ما تطاله صواريخها، حتى وإن كانت هذه الأهداف، غير ناشطة في العمليات الحربية…فليس لدى إيران من وسيلة لإيذاء القوى الغازية، سوى باستهداف ما هو في متناول مسيّراتها وصواريخها، وهي على الأغلب: إسرائيل والقواعد الأمريكية في البلدان المجاورة.
على أن القلق الأبلغ لهذه الدول، ينبع من مصادر أخرى، أبعد مدى، فالحرب إن دخلت “آخر فصولها”، قد لا تُبقي لإيران من مخرج سوى اللجوء إلى “خيار شمشون”، وهدم المعبد على رؤوس الجميع…هنا، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز، وربما إلى المضيق المُكمّل له: باب المندب، وهنا سيدخل العالم في واحدة من أشد أزمات الطاقة وطأة على ميزانيات الدول وجيوب المواطنين، وهنا ستبرز مصر (قناة السويس) ودول الخليج (صادرات الغاز والنفط)، مُتصدرةً قوائم المتضررين من اندلاع حرب جديدة.
وتذهب التحليلات أبعد من ذلك بكثير، سيما في ضوء ما يُشاع عن سيناريو “تغيير النظام”، الذي تستمهله واشنطن وتستعجله تل أبيب، فتثار جملة من الأسئلة والتساؤلات، حول “اليوم التالي” لإيران، وهل ثمة بدائل جاهزة، أم أن الفوضى ستكون عنوان السيناريو المرجح، في بلد متعدد الأقوام والأعراق والأديان والطوائف، ويحتل مكانة جيو-استراتيجية بالغة الأهمية، تتكامل وتتقاطع مع جنوب القوقاز وجنوب – غرب أسيا والخليج والشرق الأوسط وحوض البحر الأحمر، ولن تجد أوروبا نفسها بمنأى عن شرارات “سيناريو الفوضى” في بلد “شبه قارة”، بمساحة تزيد عن 1.6 مليون كم مربع، وسكان تخطوا التسعين مليون نسمة…على أوروبا التي ما زالت تسير في ذيل الولايات المتحدة، أن تدرك أنها ليست بعيدة عن دائرة النار، وأن موجات من الهجرة و”الإرهاب”، ستطالها حال الانزلاق إلى “السيناريو الأسوأ”، وربما كما لم يحدث من قبل.
هذه المرة، بخلاف المرات السابقة، تبدو دول المنطقة، أكثر تصميماً على تخطي فولكلور “إصدار البيانات المُعبرة عن القلق”، وأكثر انخراطاً في الجهود الرامية لمنع الحرب…لقد تحول اللاعبون الإقليميون من كونهم مجرد “كومبارس” كما في مرات سابقة، وأحياناً شركاء ومحرضين، معلنين وصامتين في قرع طبول الحرب، إلى لاعبين “وازنين” في السعي لدرئها، ومنع الانزلاق إلى قعر مستنقعها، وثمة كتلة عربية–إسلامية مقدرة، قررت القيام بدور “الإطفائي”، إن لم يكن حباً بعليّ فَكُرهاً بمعاوية، كما في المثل العربي الذائع.
وأحسب أن إبعاد شبح الحرب، وإن مؤقتاً، ما كان ليحصل لولا هذا الهجوم السياسي الاعتراضي المكثف الذي تقوده عواصم المنطقة الفاعلة، فضلاً بالطبع، عن نُذرِ مرونة في الخطاب الإيراني، ومخاوف أمريكية من سيناريو تحول الحرب الخاطفة إلى حرب طويلة الأمد، وانفلات التداعيات والعواقب من كل سيطرة وتحكم…دول الوساطة الإقليمية، تبني على هذه المرونة والمخاوف في الآن ذاته، وتسعي في اجتراح مخارج مبتكرة، لحل سياسي للأزمة، تنجي المنطقة من عذاب أليم، ومُقيم.

الفريق الثاني؛ “مُحراك الشر”
في المقابل، تبذل حكومة اليمين الفاشي في تل أبيب، بمستوياتها السياسية والأمنية والعسكرية، وبدعم نشط من “لوبيّاتها” في الولايات المتحدة والعالم، قصارى جهدها، لإحباط مساعي الوساطة وجهود الحل السياسي…تستعجل قطع الطريق إلى موائد التفاوض، وغذّ الخطى نحو الخنادق وتذخير القاذفات العملاقة بالصواريخ، وتحريك جيوش المتعاونين والعملاء، وفبركة تقارير استخبارية تسترجع بعضاً مما كان يحصل عشية الحرب على العراق في العام 2003.
وحدها إسرائيل من تريد لهذه الحرب أن تكون شاملة ونهائية، وألا تنتهي إلى بإسقاط النظام نفسه، انطلاقاً من “تقدير موقف” يرى أن الخطر الرئيس الذي يتهددها لا يكمن في برنامجي إيران النووي والصاروخي، ولا بدعمها لحلفائها فحسب، وإنما في بقاء النظام نفسه، وأنه من دون إسقاط هذا النظام، لن يزول التهديد، حتى لو تم تخليع أنياب إيران النووية، وتقليم أظافرها الباليستية…فالنظام، من منطور تل أبيب، هو التهديد بعينه، وهو قادر بحكم بنيته الإيديولوجية على إعادة بناء عناصر قوته واقتداره، وإن بعد حين.
ووحدها، إسرائيل، لا تقيم وزناً، ولا تخشى تبعات “اليوم التالي”، بل أن ما يُشاع عن مخاطر سيناريو الفوضى والتقسيم، واندلاع جملة من الحروب المتناسلة، وانبعاث موجات من الهجرة واللجوء و”الإرهاب”، هي نتائج مُرتجاة ومرغوبة، وتخدم نظرية الأمن القومي الإسرائيلية، وتلبي تطلع المشروع الصهيوني القديم المتجدد، بتقسيم المنطقة برمتها، إلى دويلات الشيع والمذاهب والأقوام المتناحرة، لتكون هي وحدها، “الأقلية” الأكثر اقتداراً وهيمنة، بل وربما “الأقلية الأكبر” في فسيفساء المنطقة الممتدة من قزوين إلى شرق المتوسط، مروراً بالهضبة التركية.
حتى واشنطن، التي تحشد أساطيلها وتعيد بناء ترساناتها العسكرية في دول الإقليم، لا تشاطر حليفتها إسرائيل، الهدف النهائي للحرب المقبلة…ترامب يريدها ضربة جراحية خاطفة، ذات تأثير كبير، وهو بالقطع، لا يريد الانزلاق إلى حرب ممتدة، والمؤكد أن آخر ما يرغب برؤيته، هي صور النعوش العائدة للوطن مُحمّلةً بجنود أمريكيين قضوا بعيداً عن “أمريكا أولاً”…إسرائيل وحدها تستحق وصف “مُحراك الشرّ”، الدولة المارقة، التي لا تكف عن زعزعة الاستقرار في المنطقة، وزرع بذور التوتر والصراع فيها.

ثلاثة مسارات
نحن لا ندري أين سينتهي المطاف بالإدارة الأمريكية ورئيسها المتقلب، وما المحركات التي ستسهم في صياغة قراره النهائي…لا أحد لديه جواب قاطع على سؤال الخطوة التالية، وربما ترامب نفسه، ما زال حائراً في حسم خياراته….لكننا نستقرئ جملة من السيناريوهات الأكثر جدية:
أولها؛ إن يستجيب الرئيس الساعي لجائزة نوبل للسلام، لجهود الوساطة الإقليمية، وأن يجنح للسلم والحلول التفاوضية، هذا سيناريو محتمل، وبدرجة لا تقل عن 50 بالمئة، سيما إن أظهرت طهران ما يكفي من مرونة سياسية، تجعل التوصل لاتفاق أمراً ممكناً، وتدرأ عن نفسها، كأس الحرب المرة.
ثانيها؛ وبنفس الدرجة من الأرجحية (50 بالمئة)، الذهاب إلى عملية عسكرية محدودة، أهدافها مختارة بعناية، وسريعة ما أمكن…هدفها تغليب كفّة سيناريو “تغيير النظام من داخله”، وإن من ضمن مسار ممتد لسنوات، لضمان تفادي سيناريو الفوضى والتقسيم والحروب المتناسلة، والتورط فيما لا رغبة لواشنطن به، ولا قبل لها عليه: التورط في حرب جديدة واسعة وطويلة الأمد.
ثالثهما؛ غير مرجح، وإن كان من الحكمة عدم سحبه من التداول، ويتمثل في التساوق بقدر من الأقدار مع الرغبة والمصلحة الإسرائيليتين، في تنفيذ عمل عسكري كبير وممتد، ينتهي بإسقاط النظام، وترك النتائج للطوفان، على أمل أن تتمكن قوى وجماعات، محسوبة على الغرب، من معارضات الداخل والخارج، من الإمساك بزمام الأمور، وإن بعد حين
.إذن، الأمر يستحق المحاولة، إذ بات بمقدور دول الإقليم، أن تفعّل حضورها ودورها “الإيجابي”، لتعظيم فرص السيناريو الأول، ودرء خطر الحرب المحدودة أو الشاملة، وهو أمر يستحق أيضاً، إن تقابله طهران بمرونة سياسية تساعد الوسطاء على إنجاز ما ذهبوا إليه، وقاموا من أجله…وفي التسريبات الإيرانية، ثمة ما يشي، بأن ما يقال علناً ليس بالضرورة هو ذاته، الذي يقال في الغرف المغلقة، وهذا ما يحفز الوسطاء ويشحنهم بطاقة متجددة، وهو ذاته، ما يثير قلق إسرائيل ويرفع منسوب “الأدرينالين” في عروق قادتها الأكثر تطرفاً وفاشية.