العفو العام مطلبٌ شعبي

11 ثانية ago
العفو العام مطلبٌ شعبي

بقلم المحامي حسين احمد الضمور
منذ أن وعى الإنسان معنى الدولة، كان العفو قرين القوة لا الضعف، ودليل الثقة لا التراخي.
فالتاريخ لا يذكر العفو إلا مقرونًا بالحكمة، ولا يخلّده إلا حين يكون بوابة إصلاح لا غطاءً للخطأ.
فمنذ زمنٍ بعيد، حين أصدر عزيز مصر عفوًا عامًا عن نزلاء سجن زويرة، وأعاد إدماجهم في المجتمع، خرج من بينهم العالم، والتاجر، والمصلح… لأن الدولة التي تؤمن بالإنسان، تصنع منه قيمة لا عبئًا.
وفي عهد النبوة، وعند فتح مكة، وقف سيدنا محمد ﷺ في ذروة النصر والقوة، وقال لأهلها:
«اذهبوا فأنتم الطلقاء»
فكان ذلك العفو أعظم درس في التاريخ، بأن الرحمة عند المقدرة أبلغ من العقاب.
وفي تاريخنا الأردني، وتحديدًا في مطلع نيسان عام 1965، وفي زمن العز والكرم والكرامة، أُعلن عن عفو عام بمناسبة تعيين سمو الأمير الحسن وليًا للعهد، شمل معظم القضايا بما فيها القضايا السياسية وقضايا اللاجئين السياسيين في الخارج، ولم يُستثنَ منه إلا الجواسيس. وكان ذلك العفو شاهدًا على نضج الدولة وثقتها بمجتمعها.
ولم يكن هذا النهج طارئًا، إذ واصلت الدولة الأردنية هذا المسار عبر قوانين عفو عام صدرت في أعوام 1999، و2011، و2019، و2024، جميعها جاءت ضمن أطر دستورية واضحة، وباستثناءات صريحة للجرائم الخطيرة، تأكيدًا على أن العفو العام ليس تنازلًا عن هيبة القانون، ولا مساسًا بالعدالة، بل إجراء تشريعي استثنائي يُوازن بين حق المجتمع في الحماية وحق الفرد في فرصة العودة.
واليوم، تتجه عيون الأردنيين وقلوبهم، بقلبٍ واحد وقالبٍ واحد، يناشدون ويلتمسون من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، أدام الله عزه وأعزّ ملكه، إصدار قانون عفو عام، يمنح الفرصة لمن زلّ ليعود، ولمن أخطأ ليُصلح، ولمن ضاقت به السبل لينخرط من جديد في خدمة وطنه، ردًا للجميل… جميلًا.
إن تكرار المطالبة الشعبية بالعفو العام هذا العام ليس نزوة عاطفية، ولا دعوة للفوضى، بل صوت مجتمع يؤمن بأن الإصلاح لا يكون بالعقاب وحده، وأن الدولة القوية هي التي تعرف متى تُمسك بميزان العدالة، ومتى تفتح باب الأمل.
فالعفو العام…
حين يصدر عن دولة راسخة،
يُصلح أكثر مما يُفرّط،
ويجمع أكثر مما يُفرّق،
ويصنع مواطنًا صالحًا بدل أن يترك جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع.