كتب الباحث الحقوقي هشام محمد المصري
رئيس جمعية اسناد للديمقراطيه وحقوق الانسان
في زحمة الأرقام الاقتصادية، ومؤشرات النمو، والتقارير الرسمية التي تتحدث عن “تحسن نسبي” في بعضا القطاعات، يغيب صوت فئةٍ أفنت عمرها في العمل، وأسهمت في بناء الاقتصاد، ثم وجدت نفسها اليوم وحيدة في مواجهة موجة غلاء لا ترحم: متقاعدو الضمان الاجتماعي.
دخل ثابت… وأسعار بلا سقف
يعتمد متقاعد الضمان الاجتماعي على راتب شهري ثابت، لا يتحرك إلا بقرارات متباعدة، في وقتٍ تتحرك فيه الأسعار يوميًا. فأسعار المواد الغذائية الأساسية، والأدوية، والكهرباء، والمياه، والإيجارات، تشهد ارتفاعًا متسارعًا، بينما يبقى دخل المتقاعد حبيس رقمٍ لا يواكب الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
متقاعد أمضى ثلاثين أو أربعين عامًا في العمل، كان يخطط لشيخوخة آمنة، فإذا به اليوم يعيد حساباته في كل زيارة للسوق، ويؤجل شراء الدواء، ويختصر من غذائه، ويقلّص من احتياجات أسرته.
معادلة غير عادلة
المعادلة اليوم مختلّة:
راتب تقاعدي محدود
تكاليف معيشة متصاعدة
دعم اجتماعي لا يلامس الواقع الحقيقي للأسعار
كثير من المتقاعدين يؤكدون أن رواتبهم التقاعدية باتت لا تغطي سوى جزء بسيط من النفقات الشهرية، وأنهم يعتمدون أحياناً على أبنائهم، أو على الدَّين، أو على المساعدات، في مشهدٍ يمسّ كرامة من قدّموا أعمارهم في خدمة الوطن.
أين الحماية الاجتماعية؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه المتقاعدون اليوم:
أين الحماية الاجتماعية التي وُعدنا بها؟
وأين الربط الحقيقي بين الرواتب التقاعدية ومؤشر غلاء المعيشة؟
ولماذا لا تُراجع سياسات التقاعد بشكل دوري يراعي التحولات الاقتصادية المتسارعة؟
إن العدالة الاجتماعية لا تُقاس فقط بعدد القوانين، بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها المتقاعدون.
مطالب مشروعة لا رفاهية
مطالب متقاعدي الضمان ليست ترفًا، بل حقوقاً أساسية، من أبرزها:
إعادة النظر بقيمة الرواتب التقاعدية وربطها بمؤشر الأسعار.
توفير دعم مباشر للمتقاعدين في مجالات الدواء والطاقة والغذاء.
إشراك ممثلي المتقاعدين في صنع القرار المتعلق بسياسات الضمان.
تعزيز برامج الحماية الاجتماعية المخصصة لكبار السن.
كلمة أخيرة:
متقاعد الضمان الاجتماعي ليس رقماً في جدول، ولا عبئًا على الاقتصاد، بل هو ذاكرة العمل والإنتاج. وحين يُترك وحيدًا أمام غلاء الأسعار، فإننا لا نخذل فردًا فقط، بل نخذل فكرة العدالة ذاتها.
فهل آن الأوان لأن يُسمع صوت المتقاعد… قبل أن يصبح الصمت أقسى من الغلاء؟
هشام المصري يكتب: أين متقاعد الضمان الاجتماعي من غلاء الأسعار؟






