منير عتيبة وايزيس

33 ثانية ago
منير عتيبة وايزيس

د. محمد عبد الله القواسمة

منير عتيبة أديب وناقد معروف، مؤسس مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية ومديره. له مؤلفات كثيرة، منها في القصة القصيرة: “الأمير الذي يطارده الموت” 2000، و”كسر الحزن” 2007، وفي القصة القصيرة جدًا: “روح الحكاية” 2014 التي نال عليها جائزة الدولة التشجيعية. وله في الرواية:” أسد القفقاس” 2010، وفي النقد كتاب: “في السرد التطبيقي: قراءات عالمية وعربية”2015م، وفي أدب الطفل:” حكايات عربية” 2015م.

أما إيزيس فهي من أعظم الآلهة في الديانة المصرية القديمة، واسمها المصري القديم إِسِت، ويعني العرش، لهذا ظهرت بعض تماثيلها وعلامة العرش فوق رأسها، وكانت قواها السحرية تتفوق على جميع الآلهة، وقيل كانت تحمي مصر من أعدائها، وتتحكم بالسماوات والأرض. واشتهرت بأسطورتها في جمعها أجزاء جسد زوجها الإله أوزيريس، مستخدمة السحر المقدس في إعادته للحياة، بعد أن قتله أخوه ست وقطّع جسده ووزعه على أنحاء مصر. وهي التي ربت ابنها حورس ليستعيد عرش أبيه. وظهرت في الأسطورة رمزًا للحب والأمومة والوفاء وإعادة الحياة. وعبدها اليونانيون والمصريون القدماء في الفترة (323-30ق.م) التي حكم اليونانيون فيها مصر، واستمرت عبادتها حتى القرن السادس الميلادي عند انتشار المسيحية، ولكن لم يتلاش ظهورها في الثقافة الغربية إلى اليوم.

حظيت إيزيس باهتمام كبير من الأديب منير عتيبة، وظهر هذا الاهتمام في مؤلفاته، وفي جوانب من حياته، ففي مقال له بعنوان “منير عتيبة يحكي: إيزيس..الربة التي أحبتني” نُشر في منصة “شهرزاد” (27 /آب 2023م) بيّن فيه حبه لإيزيس، الذي بدأ وهو في العاشرة بعدما شاهد برنامجًا دراميًا عنها في القناة الأولى بالتلفزيون المصري. يحكي البرنامج قصة قتل زوجها أوزيريس على يد أخيه ست؛ ليستولي على عرش مملكة مصر. لقد أعجب بذكاء إيزيس التي فهمتْ أن ست هو من تخلص من زوجها، فراحت تارة تحاربه بالتخفي هربًا بابنها حورس، وتارة أخرى بالظهور لترعبه، واستطاعت جمع القطع المتناثرة من جسد زوجها؛ لتعيد خلقه ليكون إله عالم الأرواح.

رأى الأديب منير في إيزيس مثالًا للزوجة الوفية العاشقة، والأم التي تحمي طفلها. ومثالًا لـلإنسان “بحقيقته، والعالم الماورائي بغموضه وسحره. هي أكثر ربات العالم القديم إنسانية” لهذا لا عجب أن يحمل في جيبه ميدالية مفاتيح، هي نموذج مصغر لتمثال إيزيس، الذي وجد دون رأس في أعماق البحر المتوسط. ثم أن يحرص من وقت لآخر على الوقوف أمام تمثال ضخم لها بمدخل قاعة المؤتمرات في مكتبة الإسكندرية؛ ليلتقط الصور معها وحده، أو مع الأخرين الذين يكونون حولها.

ويبلغ حب منير عتيبة لإيزيس ذروته عندما كتب اسمها واسم زوجته في عتبة إهداء كتابه “في السرد التطبيقي: قراءات عربية وعالمية”. يقول في الإهداء:” إلى: إيزيس رمز الإبداع في كل العصور. إلى: هيام كمال الحبيبة. الصديقة. الزوجة”

من الملاحظ أن منيرًا قدم إيزيس على زوجته في هذا الإهداء؛ لأنه (كما أرى) وجد فيها صفات الإله إيزيس من ذكاء ووفاء ومحبة، تلك الصفات التي ترسخت في أعماقه وهو طفل، وبحث عنها وهو فتى حتى وجدها في مخلوق بشري، وهي الفتاة التي اختارها لتكون لاحقًا زوجته، أو إيزبس بنسختها الحقيقية.

كما يظهر تأثير هذا الحب الإيزيسي في قلب منير عتيبة في قصة قصيرة جدًا عنوانها ” في مديح المرض”، من مجموعته الموسومة بـ” روح الحكاية”. وقصة “مديح المرض” هي القصة التي جرّتني إلى البحث عن إيزيس وعلاقتها بالكاتب، ولهذا تستحق أن نقرأها هنا.

تواجهنا في تلك القصة شخصية في منتصف العمر، قريبة من الكاتب، رجل مريض، ليس مرضًا عضويًا، كما يظهر لنا مما يدور حوله من أحداث، وممن يحيطون به من أحباب، فأمه تقوم على إطعامه، وزوجته على استحمامه، وابنته تغني له أغاني سيد درويش وعبد المطلب وكاظم الساهر، كل ذلك وهو في فراشه حسب تعليمات الطبيب. وعندما يصير وحيدًا في الغرفة يحاول أن يفسر ما يحدث له، فلا يقدر، ويرى أنه يحتاج إلى إيزيس لتكشف عن أسراره الغامضة، وتزيل هذا التوتر، الذي نشأ عن تلك المفارقة بين ما يجرى في خارج جسده وما يعتمل في داخله. حتى بدا كأنه “سندباد أعزل قرر أن يبحث عن إيزيسه، ويخوض مجهول لجته”. فإذا كان الطبيب يتولى معالجة الظاهر دون جدوى، فإن إيزيس هي التي يحتاجها لإعادته إلى الحياة الهانئة والمطمئنة. فليس غيرها من يجمع شتيت أفكاره، وهذا ما يؤكده في مقاله السالف الذكر إذ يقول:” أما أنا فقد كانت إيزيس بالنسبة لي هي الروح التي تلملم أشلاء أفكاري عندما تتبعثر، فتجعل منها جسدًا مكتملًا، وتبث فيه روحًا”

أخيرًا:

إن اهتمام منير عتيبة بأسطورة إيزيس يتجاوب مع اهتمام كثيرين من الأدباء بالأساطير الفينيقية واليونانية، فيستخدمونها رموزًا لما يدور في وجدانهم، وما يخفونه في صدورهم، من أمثال: أدونيس رمزًا للحياة والبعث، وبروميثيوس رمزًا التمرد والمعرفة، وأفروديت للجمال والحسد، لكن ما يميز أسطورة إيزيس أنها تغلغلت في أعماق منير عتيبة؛ لتحمل ما يبثه في أدبه من معاني التضحية والوفاء والمحبة والأمل. وهذا لا يعني أن منيرًا يجلها كما يجل العابد ربه، بل إنها لا تتجاوز اهتمامه الأدبي والفكري