حين تميل كفة السلطة التنفيذية وتختل العدالة الدستورية

21 ثانية ago
حين تميل كفة السلطة التنفيذية وتختل العدالة الدستورية

بقلم: د.فلاح العريني
في ميزان السياسة الحديثة، لا تقوم الدولة الدستورية على قوة سلطة واحدة، بل على توازن دقيق بين السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، والقضائية. هذا التوازن ليس ترفًا نظريًا ولا زخرفة دستورية، بل هو صمام الأمان الذي يمنع الاستبداد، ويصون حقوق المواطنين، ويحول دون تغوّل السلطة.
لكن حين نعاين الواقع السياسي في الأردن، نجد أن كفة السلطة التنفيذية باتت هي الأثقل، والأكثر حضورًا ونفوذًا، بينما تراجعت السلطة التشريعية إلى موقع المراقب العاجز أو الشريك الصامت.
فلماذا اختل الميزان؟ ما أسباب هذا الترجيح؟ ما الخطر الكامن فيه؟ وهل من علاج دستوري وسياسي قبل أن يتحول الخلل إلى عطب دائم؟
#أولًا: لماذا ترجح كفة السلطة التنفيذية؟
1. احتكار أدوات القرار والقوة..
السلطة التنفيذية تملك مفاتيح الدولة اليومية:
الموازنة العامة
الأجهزة الإدارية
التعيينات
الإعلام الرسمي
الأجهزة الأمنية
هذه الأدوات تمنحها قدرة فعلية على التأثير، لا يملك البرلمان ما يعادلها. فالتشريع بلا تنفيذ حبر على ورق، بينما التنفيذ بلا تشريع يتحول إلى أمر واقع.
2. هيمنة الحكومة على العملية التشريعية..
في كثير من الحالات، لا تأتي القوانين من النواب، بل من الحكومة ذاتها. البرلمان يناقش، يعدّل شكليًا، ثم يقر. وهكذا تتحول السلطة التشريعية من صانعة للقانون إلى ممر إلزامي لقوانين السلطة التنفيذية.
3. ضعف استقلالية النائب..
حين يصل النائب إلى البرلمان عبر:
قانون انتخاب مُفصّل على المقاس
المال السياسي
العصبيات
غياب البرامج الحزبية
فإن ولاءه لا يكون للدستور ولا للناخب، بل للمصلحة، أو للسلطة، أو للبقاء السياسي.
وهنا تفقد الرقابة معناها، ويصبح السؤال البرلماني مجاملة، والاستجواب تهديدًا غير مكتمل.
4. استخدام أدوات الحل والتجميد..
امتلاك السلطة التنفيذية لحق:
حل البرلمان، وتعطيله، وتأجيله، والضغط عليه سياسيًا أو إعلاميًا، يجعل البرلمان يعمل دائمًا تحت سيف الحل، فيتحول من سلطة مستقلة إلى سلطة حذرة، تفضّل السلامة على المواجهة.
5. ثقافة سياسية تمجّد “الدولة” لا “الدستور”..
في الوعي العام، كثيرًا ما تُختزل الدولة في الحكومة، ويُنظر إلى البرلمان بوصفه عبئًا أو ساحة جدل. هذه الثقافة تمنح السلطة التنفيذية شرعية شعبية غير دستورية، وتُضعف الدفاع المجتمعي عن السلطة التشريعية.
#ثانيًا: ما الخطر الدستوري والسياسي لهذا الترجيح؟
1. تقويض مبدأ الفصل بين السلطات..
حين تطغى سلطة على أخرى، يسقط جوهر الدستور، حتى لو بقي النص قائمًا. الدستور لا يُقاس بما كُتب فيه، بل بما يُمارس فعليًا.
2. تحويل البرلمان إلى واجهة شكلية..
برلمان بلا أنياب رقابية:
لا يحاسب
لا يوقف قرارات
لا يرد قوانين
هو مجرد ديكور ديمقراطي، يُستخدم لتجميل صورة السلطة لا لمساءلتها.
3. تفريغ الإرادة الشعبية من مضمونها..
الناخب الذي لا يرى أثر صوته في:
تشريع حقيقي
محاسبة جادة
تغيير فعلي
سيفقد ثقته بالعملية السياسية، ويبحث عن التعبير خارج المؤسسات، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي على الاستقرار.
4. فتح الباب أمام الاستبداد الناعم..
ليس كل استبداد عسكريًا أو دمويًا. أخطر أنواعه هو الاستبداد المقنّع بالقانون، حيث:
تُمرر القرارات باسم “المصلحة العامة”
تُكمم الرقابة باسم “الظرف الاستثنائي”
يُقصى النقد باسم “الاستقرار”
5. إضعاف الدولة نفسها..
الدولة القوية لا تعني حكومة قوية فقط، بل مؤسسات متوازنة. تغوّل التنفيذية يضعف الثقة الداخلية، ويهز صورة الدولة خارجيًا، ويجعل القرار هشًا لأنه غير خاضع للتدقيق.
#ثالثًا: ما العلاج؟ (حين يكون الدستور حيًا لا معلقًا بين الحياة والموت)
1. إصلاح قانون الانتخاب..
لا سلطة تشريعية قوية دون:
تمثيل سياسي حقيقي
أحزاب برامجية
تقليل المال السياسي
النائب المستقل عن السلطة التنفيذية هو حجر الأساس لأي رقابة فعلية.
2. تعزيز صلاحيات البرلمان رقابيًا..
تفعيل الاستجواب لا شكليته
حماية النائب من الضغوط
إلزام الحكومة بالرد والمساءلة
الرقابة ليست عداءً للدولة، بل ضمانة لها.
3. تحييد السلطة التنفيذية عن التشريع..
يجب أن يعود البرلمان إلى موقعه الطبيعي:
مصنع القوانين لا صندوق إقرارها.
4. ترسيخ ثقافة دستورية مجتمعية..
الدفاع عن البرلمان ليس دفاعًا عن أشخاص، بل عن فكرة:
أن الشعب مصدر السلطات، لا متفرجًا عليها.
5. احترام النص الدستوري روحًا وممارسة..
الدساتير لا تموت حين تُلغى، بل حين تُفرغ من معناها.
وأخطر ما تواجهه الدول هو دستور حي على الورق، ميت في الواقع.
وعليه…
حين يميل الميزان، لا يسقط دفعة واحدة
اختلال التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لا يحدث فجأة، بل بالتراكم، بالصمت، بالتبرير، وبالتطبيع مع الخلل.
وحين تُرجح كفة السلطة التنفيذية بلا ضابط، لا تخسر السلطة التشريعية وحدها، بل تخسر الدولة مناعتها، ويخسر المواطن صوته، ويصبح الدستور وثيقة شرف غير مُلزمة.
في ميزان السياسة، إما توازنٌ يصنع دولة، أو ترجيحٌ يصنع أزمة… وإن طال أمدها.
د.فلاح العريني..
كاتب سياسي..