وطنا اليوم _
بقلم: هاني الدباس
تزدحم المساحة الإعلامية في كل مكان بنِسَبٍ جاهزة، تختزل كل شيء من قبيل ٧٠٪ أو ٨٠٪ من الأردنيين، تُقدَّم على أنها خلاصات نهائية لواقع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي معقّد ارقام تهبط وكأنها الحقيقة الكاملة .
هذه الأرقام لا تُطرح في بعدها الإحصائي، بل يُبنى عليها في تشكيل الانطباعات العامة، وتوجيه النقاش، وربما تبرير مواقف وسياسات بل تتخذ في ظلها القرارات .
المسألة الأعمق لا تكمن في الرقم ذاته، بل في ما يُفترض أنه يمثّله، فعندما يُقال إن هذه النسبة تعبّر عن الأردنيين، فإن ذلك يعني ضمنياً وجود قواسم مشتركة كبيرة في المواقف والتجارب، وهو افتراض يحتاج إلى تدقيق شديد في مجتمع متنوّع في تركيبته واهتماماته وظروفه وتحدياته.
لكن، هل تعكس هذه الأرقام اتجاهاً عاماً مستقراً ، أم أنها تُلتقط في لحظة حسيةٍ عابرة، ترتبط بظرف اقتصادي أو سياسي او اجتماعي بعينه.
تحليل الأرقام يقتضي أولا فهم الإطار الذي بنيت عليه ، فإذا كانت العيّنة محدودة أو غير متوازنة، فإن النتيجة لا تغدو خاطئة بالضرورة، لكنها تصبح جزئية يجري تضخيمها عند التعميم لغايات جذب الاهتمام بعناوين كبيرة ، كما أن غياب التفاصيل، مثل حجم العيّنة، وتوزيعها الجغرافي والاجتماعي، وأدوات القياس المستخدمة، يحرم القارئ وصانع القرار القدرة على القراءة النقدية التحليلية ويحوّل الرقم إلى أداة تأثير، لا إلى مصدر معرفة.
يزداد الأمر تعقيدا حين تقترن هذه الأرقام بتعليقٍ من خبير او محلل وهم كُثر، دون تعريف واضح بهويته، أو بخلفيته العلمية، أو بموقعه الوظيفي.
يقتضي التحليل هنا أن يضيفَ عمقاً وقراءةً تفسيرية، ففي غياب المرجعية الشفافة يتحوّل إلى عنوان انطباعي مُرسَل، يكتسب وزنه فقط من صفة العميم التي لا يمكن تقييمها أو مساءلتها.
إن تحليل النتائج لا يكتمل إلا بربطها بالسياق العام، وبالمؤشرات الأخرى، فالأرقام الكبيرة قد تعكس مستوىً عالياً من القلق أو التذمّر، لكنها لا تشرح أسبابه، ولا تحدد مداه، بل لا تميّز بين الفئات المختلفة.
ارقام لا تجيب عن سؤال أساسي ، هل نحن أمام اتجاه طويل الأمد، أم موجة مؤقتة سرعان ما تتغير.
إن قراءة الأرقام بمعزل عن سياقها الزمني والاجتماعي تقود إلى استنتاجات مضلِّلة، فالخطر الحقيقي لا يكمن في نشر النتائج، بل في توظيفها بشكل انتقائي، يخدم السرديات السريعة على حساب الفهم العميق للواقع.
لا يمكننا بناء نقاش عام ناضج ، على نِسَبٍ مجرّدة، أو تحليلات مجهولة الهوية والمرجعية .
المطلوب اليوم ليس مزيدا من الأرقام، بل الغوص في العمق لعرضها وتحليلها ، فالمجتمعات الواعية المواكبة لإيقاع التغير المتسارع في العالم لا تدرس نفسها عبر العناوين العريضة، بل عبر قراءة متأنّية.






