الصرخة الوطنية – حين تُهدر العدالة وتنهب الفرص

18 ثانية ago
الصرخة الوطنية – حين تُهدر العدالة وتنهب الفرص

بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

ليس أخطر على الأوطان من أن تتحوّل الاستثناءات إلى قاعدة، وأن يُدار الحق العام بمنطق “مَن تعرف” لا “مَن يستحق”.
هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن مرض بنيوي ينهش الثقة، ويكسر العدالة، ويزرع اليأس في صدور الشباب.

الوظيفة في وطننا لم تعد استحقاقًا، بل معركة علاقات. الشهادة الجامعية لم تعد جسر عبور، بل ورقة بلا وزن إن لم تُرفق بوساطة. المقابلات الوظيفية، التي وُجدت لقياس الكفاءة، تحوّلت عند كثيرين إلى غطاء لتبرير إقصاء من لا ظهر له، وتعيين من له سند ونفوذ.

كيف يُطلب من ابن البادية أو القرية أن ينافس في شروط غير متكافئة؟ كيف يُقنع شاب بلغ الخامسة والثلاثين أو الأربعين أن ينتظر دوره، بينما يرى الوظائف تُوزع في الغرف المغلقة؟

حين يجوع المواطن في وطنه، لا نخسر لقمة عيش فقط، بل نخسر ولاءً، ونجرح كرامة، ونفتح أبواب الانحراف واليأس. البطالة ليست رقمًا في تقرير، بل قنبلة اجتماعية موقوتة. والواسطة ليست “خدمة”، بل سرقة علنية لحق عام، وإعدام بطيء للأمل.

الدولة لا تُدار بهذه الطريقة. لا تُبنى الأوطان بالشللية، ولا تُحفظ هيبة القانون حين يُطبّق على الضعيف ويُعلّق عند القوي. حين تُحتكر الفرص، تُنهب الطاقات، وحين تُقصى الكفاءات، نخسر التنمية والأمن معًا.

الوطن ليس ملكًا لفئة، ولا إرثًا لأبناء المناصب، ولا مزرعة للمتنفذين. الوطن عقد أخلاقي قبل أن يكون كيانًا سياسيًا. ومن حق كل مواطن مؤهَّل أن يحظى بفرصة عادلة، ومن حق كل شاب أن يرى مستقبلًا لا بابًا مغلقًا.

لا تنتزعوا الولاء والانتماء من صدور الناس، فالانتماء لا يُفرض بالشعارات، بل يُصان بالعدل. وحين يغيب العدل، يتآكل كل شيء.

هذه ليست صيحة غضب فقط، بل نداء إنقاذ. إن لم نُصلح هذا الخلل، سنجد أنفسنا أمام جيل لا يثق، ولا ينتظر، ولا يصدّق