في احترام الأدباء وتقديرهم

27 ثانية ago
في احترام الأدباء وتقديرهم

د. محمد عبد الله القواسمة

من الطبيعي أن تحترم الأمم أدباءها وتقدرهم في حياتهم وبعد وفاتهم؛ فهم الحافظون تاريخها ولغتها وثقافتها وتراثها، والمعبرون عن وجدانها وشخصيتها، والحالمون بمستقبل أفضل لها. بل هم الذين يستعان بأدبهم عندما تتأزم الأحوال في بلادهم، وتُسترجع أعمالهم من التاريخ، ويعاد الاهتمام بها وكأنهم على قيد الحياة. من هنا نرى عبر التاريخ مواقف لكثيرين من المفكرين والقادة والسياسيين يمجدون أدباء بلادهم، ويعترفون بأهمية الأدب في معركة الوجود.
يروى عن المؤرخ والأديب والسياسي البريطاني توماس ماكولي أن الأدب أبقى من الإمبراطوريات، وسيبقى شكسبير، حتى لو زالت القوة السياسية لبريطانيا. أما ونستون تشرشل بطل الحرب العالمية الثانية فقال إنه لو سئل عن جنسيته لأجاب بأنه من بلد شكسبير، ورأينا ستالين في خطابه عام 1941م يستنهض الهمم ويحث على مقاومة النازيين، وهم على أبواب موسكو، فيدعو الشعب والجيش إلى الدفاع عن رموز روسيا الثقافية والتاريخية.. وها هو الجنرال ديغول زعيم فرنسا يترك سارتر طليقًا يهاجمه وينتقده بعد طرد الاحتلال النازي، وروي عنه قوله لشرطته: « لا تمسوه ما من أحد يقدر على سجن فرنسا.
كما يتجسد احترام الأدباء وتقديرهم لدى الأمم المتقدمة بالاعتناء ببيوتهم بعد وفاتهم، وجعلها أماكن تراثية، يؤمها الزائرون والسياح من مختلف بلاد العالم. كما تقيم المعارض والمؤتمرات والندوات لمناقشة أعمالهم، وتحتفظ بإنجازاتهم وتراثهم وأدواتهم وما يتعلق بحياتهم، في متاحف خاصة، أو في المكتبات الوطنية والعامة.
ففي المكتبة الوطنية الفرنسية مسودات أصلية لبعض الأدباء الفرنسيين، منها مسودة رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو بخط يده، ويظهر فيها كثرة الشطب والإضافات الجانبية، كما تحتفظ بدفاتر وقصاصات تتعلق برواية بروست «البحث عن الزمن الضائع». وفي المكتبة الوطنية البريطانية ثلاثة دفاتر لجين أوستن، كتبتها بخط يدها في فترة المراهقة، وفيها يتكشف ما سيكون عليه أسلوبها وأفكارها. كما توجد في مكتبة نيويورك العامة ومكتبات أخرى أوراق فيها مراسلات وملاحظات وأفكار لفرجينيا وولف، تبين تطور تيار الوعي لديها.
أما في بلادنا العربية فلا يُحترم فيها الأدباء ولا يقدرون، لا في حياتهم ولا بعد موتهم، بل يتعرضون للفقر والعوز، وربما النفي والسجن والاعتقال في حياتهم، وإلى النسيان والإهمال بعد موتهم. والأمثلة على ذلك كثيرة في العصر الحديث من بدر شاكر السياب إلى الجواهري، ومن عبد الرحمن منيف إلى غالب هلسا وغيرهم.
وقد يقول قائل بوجود عدد من الأدباء كُرموا في حياتهم ولم يُنسوا بعد موتهم، مثل محمود درويش، الذي أقيم لتراثه الشعري متحف في رام الله، ونجيب محفوظ الذي أقيم أيضًا له متحف في القاهرة – تكية أبو الدهب في حي الأزهر احتوى أدوات ومقتنيات شخصية، ومسودات ومخطوطات بخط يده.
والحقيقة إن تكريم هذين الرمزين البارزين لا يعني تكريم الأدباء كلهم، فليس من الصواب اختزال الأدباء الآخرين في عدد محدود منهم، فيوجد شعراء كثر لا يقلون أهمية عن درويش، مثل: فدوى طوقان، وتوفيق زياد، وإبراهيم طوقان، وغيرهم. ويوجد روائيون كثر لا يقلون أهمية عن محفوظ، مثل: يوسف إدريس، ويوسف القعيد، وبهاء طاهر، وصنع الله إبراهيم وغيرهم.
هكذا، فإن الأدباء يحتاجون إلى أن يُعترف بأهميتهم في الحياة، وأن يُتفهم دورهم في تقدم المجتمع وتطوره ورسم تطلعاته. ويحتاجون من مسؤولي الثقافة في بلادهم أن يُقدموا لهم الدعم والمساندة في نشر إبداعاتهم والتعريف بها، وإن لم يقدروا على ذلك فعلى الأقل أن يمنحوهم الحرية في التعبير عما يختلج في صدورهم، والتسامح إن كان في رأيهم فيض من التطرف والتشدد. فهم لا يملكون غير خيالات تنشد إلى الواقع المعايش، وغير أحلام في مستقبل جميل لمجتمعهم، وهذه لا تقابل إلا بالتقدير والحب والامتنان.
أما بعد الموت فلعل من الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني لأي مجتمع من المجتمعات أن يحافظ على تراث أدبائه ومقتنياتهم الخاصة، وأن يقيم المؤتمرات والندوات للتدارس أعمالهم والإفادة منها. ففي هذا شرف عظيم للمجتمع؛ فلا يترقى الناس في أذواقهم وثقافتهم وأخلاقهم إلا بالأدب، ولا قيمة لأمة لا تحترم أدباءها.