حين تتشابه السياسة الخارجية مع العبث الداخلي

20 ثانية ago
حين تتشابه السياسة الخارجية مع العبث الداخلي

بقلم: د.فلاح العريني
لم أعد أرى فرقًا واحدًا، لا من حيث الجوهر ولا من حيث الأثر، بين جولات السفير الأمريكي الأخيرة في عمّان على العشائر والمنتديات والنوادي، وبين ما جرى من تعيينات قيل إنها قائمة على الكفاءة والخبرة، بينما كانت في حقيقتها نتاج تآمر حكومي مكشوف، دُفع ثمنه من أعصاب الشعب وكرامته وحقه، مقابل وظيفة لا أساس لها من الحلال، ولا تمت للعدالة أو النزاهة بصلة.
كلا المشهدين يعكسان العقلية ذاتها: عقلية الاستباحة.
استباحة المجتمع، واستباحة الدستور، واستباحة فكرة الدولة العادلة.
#فرق_إداري_وتشابه_خطير
إن كان لا بد من البحث عن فرق، فهو فرق إجرائي لا أكثر.
ما قام به السفير الأمريكي يندرج ضمن السياسة الخارجية،
وما قامت به الحكومة برمتها يندرج ضمن السياسة الداخلية.
لكن الخطورة الحقيقية أن الفعلين التقيا عند نقطة واحدة شديدة الحساسية: الانتهاك الصريح للدستور والأعراف الوطنية، والتعامل مع الشعب باعتباره طرفًا صامتًا لا رأي له ولا حق له في الاعتراض.
السفير، حين يتجاوز القنوات الدبلوماسية الرسمية ويتوغل في البنية الاجتماعية الأردنية، لا يمارس مجاملة، بل سياسة نفوذ.
والحكومة، حين تلتف على مبدأ تكافؤ الفرص وتُفرغ التعيين من مضمونه، لا تمارس إدارة، بل سياسة إخضاع.
#الكلمة_الغائبة_والسيادة_المنقوصة
وكان من باب العدل والإنصاف، وتحمل المسؤولية، والحفاظ على السيادة الوطنية، أن يكون للشعب كلمته وبياناته، كما كان لأهلنا من عشائر الضمور في الكرك كلمتهم الأصيلة ضد زيارة السفير.
فالصمت الرسمي أمام التعبير الشعبي، والتضييق غير المعلن على الرأي العام، لا يقل خطرًا عن التدخل الخارجي ذاته.
السيادة لا تُجزّأ.
فإما أن تُحترم كاملة، أو تُنتهك كاملة.
#الوظيفة_العامة_من_تكليف_إلى_غنيمة
إن التعيينات التي جرت لم تكن مجرد أخطاء أو اجتهادات خاطئة، بل كانت سياسة مكتملة الأركان، حوّلت الوظيفة العامة من تكليف دستوري إلى غنيمة، ومن أداة خدمة إلى أداة مكافأة وشراء صمت.
وهنا تحديدًا يسقط أي ادعاء بالفرق:
لا أرى فرقًا بين زيارة السفير، وتعيين حاشية أي وزير.
كلاهما يقوم على منطق النفوذ لا منطق الدولة،
وعلى المحاباة لا على الاستحقاق،
وعلى إدارة المجتمع من فوق، لا بالشراكة معه.
#دولة_تُدار_بلا_بوصلة
الدولة التي تسمح بتجاوزها من الخارج، هي ذاتها التي تفرّط بحقوق مواطنيها من الداخل.
والحكومة التي تضيق بالرأي الشعبي، لا يحق لها الادعاء بحماية السيادة.
فالدستور ليس لافتة تُرفع عند الحاجة، ولا الأعراف الوطنية زينة خطابية تُستدعى عند الخطر.
الخطر الحقيقي ليس في زيارة سفير، ولا في قرار تعيين،
بل في تطبيع الانتهاك، وتحويله إلى ممارسة اعتيادية، حتى بات المواطن لا يميز بين ما هو وطني وما هو مفروض عليه.
#الخلاصة
نحن أمام مسار واحد، مهما اختلفت الوجوه والعناوين.
مسار يُدار فيه الداخل بالعقلية ذاتها التي يُدار بها الخارج:
تجاوز، التفاف، وتهميش لإرادة الناس.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس:
هل أخطأ السفير؟
ولا: هل أخطأت الحكومة؟
بل: كيف وصلنا إلى مرحلة لم نعد نرى فيها فرقًا أخلاقيًا بين تدخل خارجي، وعبث داخلي؟
وهنا، تحديدًا، يكمن الخطر الأكبر.
د.فلاح العريني..
كاتب سياسي..