حسين الرواشدة
من تحت عباءة جماعة “الإخوان المحظورة “، يتحرك حزب جبهة العمل الإسلامي بخطوات مدروسة تماماً، كتلة الإصلاح النيابية تمارس دورها التشريعي والرقابي بهمة وحرفية، الأزمة التي فجرتها إحدى نائبات الحزب في وجه الحكومة اشغلت الرأي العام ، وماتزال ،حادثة فيضانات الكرك منحت الحزب فرصة لاستعادة حضوره السياسي والاجتماعي في المدينة .
في موازاة ذلك، تعديلات النظام السياسي التي قدمها الحزب للهيئة المستقلة للانتخاب ،من أجل التكيف مع “الحوكمة”، جاءت في سياق المتوقع الرسمي ، استجاب الحزب لكل المقترحات ، وشطب مواداً أساسية في نظامه القديم، بما ينسجم مع الدستور والحالة الوطنية الأردنية ، بقي فقط تغيير الاسم ، وربما يحصل قريباً.
ما حدث ليس صدفه أبداً، الحزب -تحت الضغط – أصبح يدرك ما هو مطلوب منه في المرحلة القادمة ، خسر الخروج للشارع ، كما فعل على امتداد أكثر من عامين، وطوى ملف حرب غزة، لكنه يعوض حضوره تحت ” القبة” وفي داخل المجتمع ، تسانده ماكينة إعلامية ضخمة .
حيثما تركت الحكومة أو الأحزاب أو الطبقة السياسية فراغاً ملأه الحزب ، صحيح ، لا أحد من الأحزاب الأخرى يملك امكانيات وخبرات التنظيم والتحشيد التي يمتلكها حزب جبهة العمل الإسلامي ، لكن الجميع ، في تقديري، استسلم لهذا الواقع القائم ، لا يوجد أي جهد جدي ملموس لبناء أحزاب تضمن التنافس والتوازن في حركة السياسة داخل المجتمع ، أو تكسر حدة ثنائية الدولة والإسلام السياسي التي شكلت العقبة الكبرى أمام تطور الحياة السياسية منذ نحو 30 عاماً.
أفهم ،بالطبع ، الدوافع والأسباب التي تقف وراء محاولات تكيف الحزب وتحولاته واستداراته ، وأتوقع أن يستمر في إطار إعادة الهيكلة والتحرر، ولو نسبياً ومؤقتاً وبشكل متدرج ، من تركة الجماعة المحظورة وأدبياتها، كما أفهم ،أيضاً، منطق الدولة في عدم الاستعجال بقص شريط العلاقة مع الحزب حتى الآن .
ما لا أفهمه هو عدم قدرة القوى السياسية الأخرى ومن يساعدها على إنتاج البديل -أو أن شئت – الرديف السياسي ، ثم عدم التعلم من دروس وتجارب اختطاف الشارع او البرلمان من قبل أي تيار سياسي متى استفرد وحدة بالساحة السياسية ، او هيمن عليها ، زد على ذلك ، تكريس الواقع القائم من شأنه أن يُضيّق مساحات الحركة أمام أي خيارات قد يفرضها واقع قادم لا نعرف ،حتى الآن ، استحقاقاته ومفاجآته.
أعرف ،تماماً، ملف حزب جبهة العمل الإسلامي وضع على الطاولة ، لكن القرار لم يحسم بشأنه بعد ، ثمة من يتبنى وجهة نظر إمكانية إصلاحه وعزله عن الجماعة المحظورة ، ثم التعامل مع أي تجاوزات له أول لأعضائه بموجب القوانين ، ثمة وجهة نظر أخرى تدفع باتجاه حله أو إقصائه من المشهد السياسي ، باعتباره ذراعاً للجماعة المحظورة وامتداداً لها ، ولا يمكن عزله عنها .
مهما تكن النتيجة ، أمامنا مرحلة خطيرة تتطلب رفض استفراد أي تيار سياسي ،مهما كان اسمه، باستخدام مطالب الأردنيين وتوظيفها للاستقواء على الدولة ، أو تمرير أجندات غير وطنية ، كما تتطلب هذه المرحلة تمكين الجبهة الداخلية على أساس توزيع “الحمل الوطني” ، وتجويد القرار السياسي، واستعادة ثقة الأردنيين بمؤسساتهم ، ثم ضبط حركة الفعل السياسي على مسطرة الدولة ومصالحها العليا ، أقصد الدولة الأردنية القوية التي تحدد خياراتها ، وتفرض القانون على الجميع ، ولا تتردد في ذلك.






