ألافراج عن الدكتور أيمن العتوم والصلف الصحفي: من حدث قانوني إلى فتنة

دقيقة واحدة ago
ألافراج عن الدكتور أيمن العتوم والصلف الصحفي: من حدث قانوني إلى فتنة

الدكتور ابراهيم النقرش

في لحظات الاحتقان السياسي والاجتماعي، تصبح الكلمة أخطر من الموقف، ويغدو الرأي – حين يُصاغ باستعلاء أو إقصاء – أداة تفتيت لا أداة نقد. ما كُتب في أعقاب مقابلة الرئيس، وربطُه بقضية الإفراج عن الدكتور أيمن العتوم، لا يمكن قراءته بوصفه رأيًا سياسيًا عابرًا أو نقدًا مشروعًا لأداء الدولة، بل خطابًا مشحونًا يوظّف حدثًا قانونيًا في سياق تأليب اجتماعي وسياسي، ويُلبسه ثوب “الغيرة الوطنية” فيما مضمونه يفتح أبواب الفتنة ويُضعف مناعة المجتمع.
سياسيًا، يقوم هذا الخطاب على فرضية خطِرة مفادها أن الدولة “تخاف” من مكوّن اجتماعي–سياسي بعينه، وأن هذا المكوّن “تفوق” على الدولة أو “سيطر على المزاج الشعبي”. هذه ليست قراءة تحليلية بقدر ما هي تبسيط فجّ لمسارات معقّدة تحكمها اعتبارات قانونية ومؤسسية وأمنية، وتخضع لتوازنات داخلية وإقليمية معروفة. تحويل قرار قانوني – أيًا كان الموقف منه – إلى دليل على عجز الدولة أو تراجعها، يُسقط عن النقاش عقلانيته، ويزجّ به في خانة التحريض غير المسؤول، خصوصًا حين يُستدعى “المستوى الشعبي” ليحل محل الدولة في “المواجهة”. هنا يتجاوز الخطاب حدود النقد ليقترح، ضمنيًا، تفويض الشارع بوظائف الدولة، وهو منطق يقود تاريخيًا إلى الفوضى لا إلى الإصلاح.
اجتماعيًا، الأخطر من ذلك هو النزوع إلى احتكار الوطنية، وكأن الانتماء للأرض والتاريخ حكرٌ على فرد أو جماعة. الأردن لم يُبنَ بسردية واحدة ولا بعشيرة واحدة ولا بمكوّن واحد. هو نتاج تراكُم تاريخي لعشائر ومدن وبوادي، لم يسبق أحدٌ فيها الآخر على حب الوطن، ولا يملك أحدٌ صكّ الوطنية ليمنحه أو يمنعه. حين يُقال “هذا وطني” بصيغة الإقصاء، يصبح الوطن ضيقًا في اللغة قبل أن يضيق في الواقع، ويُدفع أبناء المجتمع – ظلمًا – إلى خانة “الوافدين” أو “الأقل وطنية”، وهو منطق يُقوّض النسيج الاجتماعي الذي قام تاريخيًا على الشراكة والتكامل.
إن استحضار الأنساب والجذور لا يجب أن يكون سلاحًا في معركة سياسية، ولا مدخلًا لتخوين الناس أو التقليل من شأنهم. العشائر الأردنية جميعها، في الكرك وسوف وكفرخل وإربد والسلط والبادية والجنوب والشمال، لها تاريخها الممتد في هذه الأرض، وقدّمت للدولة كما قدّمت الدولة لها. تحويل هذا التاريخ إلى أداة مفاضلة أخلاقية أو سياسية هو إساءة له قبل أن يكون دفاعًا عنه. كما أن ربط أسماء بعينها – أفرادًا أو عائلات – بسرديات اتهامية أو تحريضية، يضرب قيم العدالة والإنصاف، ويُحمّل الأشخاص ما لا يحتملون من دلالات سياسية لم يختاروها.
من زاوية الإعلام والمسؤولية الصحفية، فإن خطورة هذا النوع من الكتابة لا تكمن فقط في مضمونه، بل في موقع كاتبه وتأثيره. حين يتصدّر المشهد من يقدّم نفسه بوصفه “الوطني الأصدق” أو “الأجرأ” في مواجهة الآخرين، تتحوّل الصحافة من مساحة مساءلة إلى منصة اصطفاف. النقد الحقيقي للدولة يكون بتقوية مؤسساتها، وبالضغط من أجل سيادة القانون والعدالة والشفافية، لا بتصويرها كطرف عاجز يحتاج إلى “شارع” ينيب عنه. كما أن الدفاع عن الوطن لا يكون بتقسيم المجتمع إلى وطنيين وغير وطنيين، بل بحماية وحدته من خطاب الشحن والاستفزاز.
إن ما يبدو في ظاهره “كلام حق” عن الخوف على الدولة، ينقلب في جوهره إلى “باطل” حين يُبنى على التعميم والإقصاء والتحريض. الفتنة لا تبدأ بنداء صريح لها، بل بخطاب يُشكك في انتماء الناس، ويُجرّدهم من حقهم في الوطنية، ويستسهل استدعاء الصدام بوصفه حلًا. والأردن، في ظرفه السياسي والاقتصادي والاجتماعي الدقيق، لا يحتمل مثل هذا الترف الخطابي.
الوطن ليس ملكًا لأحد، ولا الوطنية صفة يُوزّعها كاتب أو تُسحب من مواطن. الدولة القوية هي التي تتّسع لكل مكوّناتها، وتدير اختلافاتها بالقانون والحوار، لا بالتخويف ولا بالتجييش. والمسؤولية اليوم – على السياسي والصحفي والمواطن – أن يرفع منسوب العقل، لا منسوب الانفعال، وأن يُدرك أن الكلمة قد تبني جدار حماية للوطن، وقد تشق فيه صدعًا لا يراه كاتبها إلا بعد فوات الأوان.٦