الدكتور خيرو إرشيد العرقان … رجل دولة في الاقتصاد، وقيمة وطنية تُدار بالعقل قبل المنصب

20 دقيقة ago
الدكتور خيرو إرشيد العرقان … رجل دولة في الاقتصاد، وقيمة وطنية تُدار بالعقل قبل المنصب

وطنا اليوم _

كتب: ليث الفراية

ليس من السهل أن يفرض الإنسان اسمه في أكثر من موقع، دون أن يفقد احترامه أو يُستهلك حضوره فهناك من يصل سريعًا ثم يتلاشى، وهناك من يبني خطوة خطوة، حتى يصبح اسمه مرادفًا للثقة. الدكتور خيرو إرشيد العرقان ينتمي للفئة الثانية، تلك التي لا تستعجل الظهور، لكنها تترك أثرًا ثابتًا لا يحتاج إلى تعريف فهو من الرجال الذين يقدّمون العمل على الخطاب، ويؤمنون بأن القيمة تُصنع بهدوء، وبأن الاحترام لا يُطلب بل يُكتسب عبر السلوك والمسار.

منذ سنوات، شكّل العرقان حالة خاصة في المشهد الاقتصادي شمال الأردن، حالة مبنية على فهم عميق لمعنى الاستثمار الحقيقي، ذلك الاستثمار الذي لا يقتصر على الأرباح، بل يمتد إلى الاستقرار، وفرص العمل، وتعزيز المنتج الوطني، وحماية السوق المحلي من الهشاشة والتبعية حيث تعامل مع الاقتصاد كمنظومة مترابطة، يدرك أن أي خلل في أحد أركانها ينعكس على المجتمع بأكمله، وليس مجرد رقم في دفاتر الحسابات.

رئاسته لمجلس إدارة شركتي خيرات الشمال ودجاج الخير لم تكن مجرد إدارة شركات تعمل في قطاع الدواجن والأعلاف، بل كانت إدارة لملف حساس يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي الأردني حيث هنا، لم يكن القرار ارتجاليًا، ولم تُبنِ السياسات على ردود الفعل، بل على قراءة دقيقة للسوق، واحتياجاته، وتحدياته، وإمكاناته المستقبلية وقد انعكس هذا النهج في استقرار الإنتاج، وفي ثقة المستهلك، وفي قدرة الشركتين على الصمود والتوسع دون المساس بالجودة أو المسؤولية.

في هذه الشركات، انعكست شخصية العرقان الإدارية بوضوح تنظيم، والتزام، وانضباط، واحترام لسلسلة الإنتاج من بدايتها حتى وصول المنتج إلى المستهلك حيث العامل في الميدان ليس رقمًا، والجودة ليست خيارًا، والمسؤولية ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل ممارسة يومية تُحاسَب وتُراجع هذه الفلسفة الإدارية خلقت بيئة عمل مستقرة، يشعر فيها الموظف بقيمته، ويشعر فيها السوق بالثقة، ويشعر فيها المستهلك بالأمان.

ولأن الإدارة الناجحة لا تُفصل عن محيطها، كان للدكتور العرقان حضور واضح في الحياة العامة لمحافظة المفرق. لم ينظر إلى المحافظة بوصفها موقعًا جغرافيًا هامشيًا، بل باعتبارها ركيزة اقتصادية تحتاج إلى دعم حقيقي، واستثمار ذكي، وتمكين لأبنائها كي يكونوا شركاء لا متلقين فالمفرق بالنسبة له ليست عنوانًا إداريًا، بل بيئة اجتماعية واقتصادية تستحق أن تكون في صلب الاهتمام الوطني.

من هنا جاءت رئاسته لغرفة تجارة المفرق امتدادًا طبيعيًا لمسيرته، لا قفزة فوق الواقع حيث في هذا الموقع، تعامل مع الغرفة كمنصة عمل لا كواجهة، وكصوت للتجار لا كمكتب بروتوكولي حيث سعى إلى تقريب المسافات بين التاجر وصانع القرار، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، في معادلة دقيقة تحتاج إلى حكمة وخبرة لا تُكتسب بالشعارات وقد لمس التجار هذا النهج في أسلوب الحوار، وفي طبيعة القضايا التي طُرحت، وفي السعي الجاد لإيجاد حلول عملية قابلة للتنفيذ.

ما يلفت في تجربة العرقان أن حضوره المجتمعي لم يكن منفصلًا عن عمله الاقتصادي حيث دعم التعليم، ووقف إلى جانب الطلبة المتفوقين، وشارك في المبادرات الاجتماعية، وكل ذلك جاء كجزء من قناعة راسخة بأن رأس المال لا يكتمل أثره إن لم ينعكس على المجتمع الذي يحتضنه فهو يؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن أي مشروع لا يحمل بعدًا اجتماعيًا يبقى ناقص الأثر مهما حقق من نجاح مالي.

لم يتعامل مع العمل العام كمساحة للظهور، بل كمساحة للالتزام. لهذا، ظل اسمه حاضرًا باحترام في المجالس، وبين التجار، وفي الأوساط الرسمية، دون أن يرتبط بالجدل أو الاصطفافات الضيقة هذا الحضور المتوازن جعله نقطة التقاء، لا سبب انقسام، ومصدر ثقة لا مادة خلاف.

تكريمه بميدالية اليوبيل الفضي من جلالة الملك عبدالله الثاني لم يكن محطة عابرة في مسيرته، بل اعترافًا رسميًا بمسار طويل من العمل الهادئ والمسؤول، وتقديرًا لرجل قدّم نموذجًا للاستثمار الوطني المرتبط بخدمة الدولة والمجتمع معًا وهو تكريم يحمل دلالة معنوية كبيرة لكل من يؤمن بأن الإخلاص في العمل لا يضيع أثره مهما طال الطريق.

الدكتور خيرو إرشيد العرقان يمثل مدرسة في القيادة الاقتصادية التي تؤمن بأن النجاح لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرة الإنسان على الاستمرار دون أن يفقد بوصلته حيث مدرسة تُقدّم العقل على الانفعال، والمؤسسة على الفرد، والعمل على الخطاب وهي مدرسة تحتاجها الساحة الوطنية في مواقع متعددة، حيث التحديات أكبر من الحلول السريعة.

في حضوره الشخصي، لا يبحث عن المسافة بينه وبين الناس، بل يحرص على القرب حيث يستمع أكثر مما يتحدث، ويفضّل الفعل على الوعد، ويُدرك أن الثقة تُبنى بالتراكم لا بالتصريحات هذه الصفات جعلته قريبًا من مختلف الفئات، ومحل احترام حتى لدى من يختلفون معه في الرأي.

هكذا يُمكن فهم تجربة العرقان؛ تجربة رجل أدرك أن الوطن لا يُخدم من موقع واحد، وأن الاقتصاد حين يُدار بمسؤولية، يصبح أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، وأحد أشكال السيادة الوطنية فالمسألة ليست إدارة شركات فقط، بل إدارة أثر، وحماية توازن، وبناء ثقة طويلة الأمد.

وفي محصلة المشهد، لا يبدو الدكتور خيرو إرشيد العرقان رجل شركات فقط، بل رجل فكرة؛ فكرة أن القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض، وأن القيمة الحقيقية لا تُصنع في العناوين، بل في التفاصيل اليومية التي لا يراها الجميع، لكنها تصنع الفارق وهنا تحديدًا تكمن قوة هذه التجربة، في هدوئها، وفي ثباتها، وفي قدرتها على الاستمرار دون ضجيج.