د. محمد عبد الله القواسمة
جنى أرسطو (384- 322ق. م) المعلم الأول على المرأة منذ القرن الرابع قبل الميلاد حتى يومنا هذا. تتمثل هذه الجناية، في اتباع المجتمعات الإنسانية في الغرب والشرق، رغم ما طرأ عليها من تحضر وتطور، تعليماته ونصائحه وأحكامه عن المرأة، التي تقوم على رؤية المرأة بأنها مخلوقة للإنجاب، ورعاية الأولاد، ولا تصلح للقيادة في أي أمر من الأمور. فأرسطو، وإن عرف الإنسان بأنه حيوان عاقل، فتعريفه هذا لا ينطبق إلا على الرجل اليوناني الحر، الذي تتجمع فيه وحده كل الفضائل الإنسانية. أما المرأة فهي في مرتبة بين الرجل الحر والعبد، وعليها أن تطيع زوجها؛ لأنه أصلح للقيادة، كما أنها أقل من الرجل عقلًا وذكاء وأكثر خداعًا، وسيطرته عليها، وأن تكون محكومة له مسألة طبيعية.
إن نظرية أرسطو عن المرأة التي وردت في كتابيه: «السياسة»، و»الأخلاق» مادية فيزيقية، تدعو المرأة أن تكون صبورًا لا تشتكي، ولا تتذمر، وحتى لا تفكر. ومن الغرابة أنها مع تخلفها وجمودها ترسخت في ذهن الإنسان الغربي، وامتد تأثيرها في القارة الأوروبية كلها. من الذين تأثروا بها تولستوي الأديب الروسي المعروف، الذي كتب في يومياته عام 1898م بأن المرأة مخلوقة غبية، متناقضة في مواقفها، وهي أداة الشيطان، ولكن يعيرها الشيطان دماغه إذا كانت في طاعته، وتأتي بالمعجزات إذا همت بعمل خبيث، وإذا كان غير ذلك لا حول لها ولا قوة.
ونرى شوبنهاور الفيلسوف الألماني المتشائم يقتدي بأرسطو في رؤيته بأن نفوذ نساء البلاط بفرنسا أيام لويس الثالث عشر (1601-1643م) كان سببًا في القلاقل والاضطرابات والتمردات المتكررة، وانبعاث الثورة الفرنسية الأولى التي فتحت الطريق إلى الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789م. وكان أرسطو قد سبقه في قوله: إن سقوط اسبرطة وزوالها يعود إلى إعطاء المرأة حقوقها في الميراث والزواج، والتساهل في معاملتها، ومنحها بعض الحرية.
إن أفكار أرسطو عن المرأة غدت الهادية والمرشدة عن النساء عامة، وانتقلت إلى عالمنا العربي، وصارت تتردد على ألسنة كثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء. فهذا الإمام أبو حامد الغزالي (450-505) الفقيه والفيلسوف والمتصوف، وأشهر علماء المسلمين يقرر أن النكاح(الزواج) نوع من الرق، وبما أنه نوع من الرق فطاعة الزوجة مطلقة في كل ما طلب منها زوجها إلا ما فيه معصية الخالق، وهي أي الطاعة من مبادئ الإسلام، وأن فائدة النكاح الولد، ولا علاقة له بالشهوة، فهي باعثة البذور، وممكنة المرأة من الحرث. كما لا لطف في النكاح، ولا رحمة ولا مودة، بخلاف ما جاء في القرآن الكريم.» وخلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»
والرجل عند الغزالي كما عند أرسطو يتفوق على المرأة بقدرته على تولي المناصب الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية، أما المرأة فليس لديها إلا القدرة على الإنجاب، يقول في كتابه «إحياء علوم الدين»:» شر خصال الرجل خير خصال النساء: البخل، والزهو، والجبن..» ويرى الحقّ للرجُل أن يكون متبوعًا لا تابعًا، وأن الغالب على النساء «سُوء الخُلق، وركاكة العقل، ولا يعتدل ذلك منهنَّ إلا بنوعِ لُطف ممزوجٍ بالسياسة «
ورأينا في العصر الحديث تأثير هذه الأفكار في المفكر والناقد والشاعر عباس محمود العقاد صاحب العبقريات، الذي رأى في كتابيه: «الإنسان الثاني»1912م، و»هذه الشجرة»1945م أن المرأة تتصف بالضعف، والانفعال، والتناقض، عديمة الإرادة، ولا تصلح لشيء غير الإنجاب، ورعاية الأولاد، وإذا نبغت في شيء فبمساعدة الرجل ودعمه.
هكذا ظلت أفكار أرسطو المتعلقة بالمرأة تطبق على أرض الواقع دون أن نجد من المفكرين أو الفلاسفة من ينزلها من عليائها حتى القرن التاسع عشر، وكانت البداية من بريطانيا على يد الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل، الذي دعا في كتابه «استعباد النساء» 1869 إلى تحرير المرأة، ومنحها حقوقها، ومساواتها بالرجل. ولكن دعوته لم تغير واقع المرأة الذي نادت به نظرية أرسطو تغيرًا تامًا على كل حال.
أما نحن في العالم العربي والإسلامي فلم نزل متأثرين بنظرية أرسطو حول المرأة، التي ترسخت في عقول كثيرين، منهم المثقف والمفكر والأديب والسياسي، وصارت عند بعض شيوخ الدين فكرة دينية مقدسة، واقتدى بهم كثير من الناس؛ فعوملت المرأة معاملة سيئة، وهضمت حقوقها في الحياة، مع أن ديننا الحنيف دعا إلى إنصافها، وإعطائها حقها من الميراث، والحفاظ على كرامتها، وعدم إكراهها في الزواج، وتركها تتصرف بحرية في مالها، وعدم الوقوف في وجه تعليمها وثقافتها.
هكذا جنت نظرية أرسطو على المرأة، وما زال تأثيرها يعمل عمله في بقاع الأرض، فتكثر الضحايا من النساء اللائي لم يجدن من ينقذهن من تأثيرات تلك النظرية، التي تبناها المعلم الأول، وأقام لها القواعد والقوانين استنادًا إلى علوم البيولوجيا والأخلاق والسياسة.






