بقلم: محمد يعقوب الشمايله
لم تكن موجة الشتاء الأخيرة في محافظة الكرك مجرد حالة جوية قاسية، بل كانت اختباراً صارخاً للبنية التحتية والإدارة المحلية. الأمطار الغزيرة التي فاقت كمياتها ما شهدته المحافظة في السنوات الماضية تحولت إلى سيول وانجرافات واسعة، أغلقت طرقاً رئيسية وفرعية، وعطلت عبارات، وأدخلت مياه الصرف الصحي إلى الأحياء، مسببة أضراراً مباشرة في الممتلكات والأراضي الزراعية، خاصة في الشهابية والعراق وقرى وادي الكرك.
الاستجابة الرسمية كانت موجودة، لكنها متواضعة وغير استراتيجية، وغلب عليها الطابع العلاجي المؤقت أكثر من كونها خطة شاملة. فتح الطرق وإزالة العوائق جاء بعد وقوع الخسائر، دون إعلان خطة طوارئ واضحة أو مراجعة جادة للخلل البنيوي.
المشكلة ليست المطر وحده، بل بنية تحتية تم تنفيذها وكأن المواسم المطيرة حدث استثنائي. شبكات تصريف مياه الأمطار محدودة جداً، وبعضها غير مكتمل، بينما تعاني شبكات المجاري ضعف السعة والتقادم، ما أدى إلى اختلاط المياه العادمة بمياه الأمطار وتفاقم الأضرار البيئية والصحية. كما ضاعت كميات هائلة من المياه دون استثمار، في محافظة تعاني شحاً مائياً، بسبب غياب السدود والحواجز المائية ومشاريع الحصاد المائي.
ما حدث يجب أن يُقرأ كفرصة للإصلاح، وليس مجرد أزمة عابرة. المطلوب هو خطة شاملة تشمل إجراءات إدارية لتفعيل التنسيق بين الجهات، وهندسية لإعادة تصميم الطرق والعبارات وتوسيع شبكات التصريف، ومالية وتنموية لربط الموازنات بالطوارئ وتطوير مشاريع الحصاد المائي، وتعويضية لضمان استقرار المتضررين، خاصة المزارعين.
الأمطار لا يمكن التحكم بها، لكنها آثارها يمكن إدارتها بذكاء. وما كشفته موجة الشتاء الأخيرة يؤكد أن التخطيط السليم ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الناس والموارد، وتحويل التحديات المناخية إلى فرص تنموية مستدامة، بدل أن تتحول كل شتاء إلى خسائر متكررة.






