مدينة تُشيَّد من الصفر… ومدنٌ انتهت إلى الصفر

28 ثانية ago
مدينة تُشيَّد من الصفر… ومدنٌ انتهت إلى الصفر

بقلم: هشام بن ثبيت العمرو

في بلدٍ أنهكته المفارقات حتى صار يعيش على حافة الضحك والبكاء في اللحظة نفسها، تطلّ علينا الحكومة بقرارٍ يشبه تلك الأحلام التي تداهم النائم المرهق: بناء مدينة جديدة في عمرة. مدينة تنبت في الصحراء كما تنبت الأسطورة في كتب العجائب؛ مدينة ترصّ حجارتها بدقة، وتُسقى بميزانياتٍ فارهة، لتبدو كأنها واحة مُعلّبة أُخرجت للتو من ثلاجة التخطيط اللامنطقي.

مدينةٌ بلا سكان، بلا تاريخ، بلا وجوه، لكن لها ميزانية تُدوَّن بالأرقام الفلكية، وكأنها مشروع إنقاذ كوكبٍ من الانقراض، وليس إضافة مدينة إلى بلدٍ مدنه الأصلية تستغيث منذ عقود.

ولأن السخرية في الأردن لا تحتاج إلى اختراع، يكفي أن تقارن بين صورتين: مدينة عمرة المستقبلية التي لم يولد حجر فيها بعد، ومدنٌ تتداعى حجارتها كما تتداعى الذاكرة في رأس شيخ مُنهك. عمان التي اختنقت بالزحام حتى صارت تشبه أنبوباً ضيقاً يدفع فيه الناس بعضهم دفعاً، والزرقاء التي تبحث منذ أربعين عاماً عن متنفسٍ واحدٍ ولم تجده، والكرك ومعان والطفيلة التي تنتظر الفرج كما ينتظر المسافر غيمةً لا تصل.

كيف تُبنَى مدينة جديدة بينما المدن القائمة تحتاج من يعيد ترميمها حجرًا حجرًا؟ كيف تُسكَب المليارات على أرضٍ خالية بينما أرضٌ عامرة بالبشر لا تجد من يسقيها قطرة اهتمام؟ سؤالٌ يقال إنه منطقي، لكنه يبدو في قاموس الإدارة العامة أقرب إلى الطرافة منه إلى الفهم.

ثم انظر إلى قرية أبو الزيغان، تلك القرية التي يكفيها نصف ساعة مطر ليتحوّل المشهد فيها من حياةٍ عادية إلى مسرحية من طراز “مدينة تغرق بلا بحر”. نصف ساعة فقط، لا إعصار ولا طوفان، ومع ذلك تنهار الطرق وتغرق البيوت، وتنسحب البنية التحتية كما ينسحب الخجل من وجه كاذبٍ محترف. فإذا كانت قرية صغيرة لا تصمد أمام سحابة واحدة، فكيف سيُكتب لمدينة جديدة في عمرة أن تحيا في بلدٍ لم يستطع بعد أن يُصلح ما انهار من القديم؟

وماذا عن قرية البربيطة في الطفيلة، تلك البقعة التي يشرب أهلها مياهاً لا يشربها أي كائن على وجه الأرض؟ أليس من العجب أن هناك من يخطط لبناء مدينة جديدة كاملة، بينما في الجنوب بشرٌ يشربون ماءً لو صُبّ في محرك سيارة لأعطبها؟ كيف يُعقل أن تُصارع الكلى هناك الماء كعدوٍّ يوميّ، بينما الحكومة مشغولة برسم جداول زمنية لمدينة لم تولد بعد؟ أهو عجزٌ في الرؤية أم شغفٌ بالانشغال الوهمي؟ أم أن المنطق هنا مجرد ضيفٍ عابر لم يجد له مقعداً في الاجتماع؟

وإن أردت مزيداً من المقارنات العجيبة، فانظر إلى ٥٥٠٠ كاميرا نُصبت في عمان، قالوا إنها لحماية المواطن، لكن المواطن اكتشف أنها تحمي جيوب الغرامات أكثر مما تحمي أرواح الناس. ملايين الدنانير صُرفت على عيونٍ ترصد المركبات، بينما الطرق نفسها تعاني من انزلاقاتٍ وكأنها جلد سمكة، والحفر فيها تبتلع السيارات كما تبتلع الرمال أقدام العابرين في الصحراء. يا للعجب! هل يُبنى الأمن المروري بالكاميرات أم بالطرق؟ أم أن الطرق شأنٌ مؤجّل بينما الكاميرات شأنٌ مُستعجل لأنها تتحدث بلغة الأرقام السريعة؟

ثم يأتي السؤال الأكبر، الذي يتجوّل في صدر كل مواطن كأنه طائرٌ يعرف أنه ممنوع من الغناء: كيف لحكومةٍ لا تستطيع إصلاح شارعٍ، ولا منع غرق قرية، ولا توفير ماء صالح للبشر، أن تقرر بناء مدينة كاملة من الصفر؟
كيف لمن يقف عاجزاً أمام حفرةٍ أن يخطّط لحاضرة عالمية؟ وكيف تشيد مدينة جديدة بينما المدن القديمة تلفظ أنفاسها تحت التراب وتنتظر من ينتشلها لا من يتجاهلها؟

أليس الأجدى إصلاح عمّان التي تمشي على عكاكيز، والزرقاء التي لم تعد تقدر على التنفس، ومعان والكرك اللتين صارتا كقصيدتين من البؤس المكرر؟ أم أن المدن القديمة لم تعد ملائمة لصورة “التنمية” اللامعة، فجرى ترحيلها إلى رفّ النسيان، وجرى استبدالها بورقة مطبوعة لمدينة مستقبلية تُرفع في مؤتمر ثم تُترك للتاريخ يحاكمها؟

وبعد هذا كله، يبقى السؤال….
إن كانت تلك المدينة بهذه الرفاهية فعل سينتقل سكان دير غبار وعبدون والرابية والصويفية إلى عمره؟؟
وهل يستطيع المواطن المعدم مادياً ومعنوياً أن يتملك في عمره مدينة الأحلام خصوصا وأن أحد الجهابذة قد صرح بأنه لن تدخل اي سيارة تعمل بالوقود أو الغاز إلى المدينة الجديدة،،