بقلم المهندس باسل قس نصر الله
الحربُ لمْ تعدْ كما عرفناها في القرنِ العشرينِ. يومَها اشتعلتْ حربانِ عالميتانِ، الأول “١٩١٤ – ١٩١٨” والثانية “١٩٣٩ – ١٩٤٥”، اجتاحتْ هاتين الحربين القاراتِ كلها، لكنَّ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ بقيتْ بمنأًى عنْ أنْ تكونَ ساحةَ معركةٍ. أمَّا اليومَ، فصاروخٌ عابرٌ للقاراتِ قادرٌ على تحويلِ واشنطنَ ونيويوركِ إلى رمادٍ خلالَ دقائقَ. فمنذُ أنْ أُلقيتْ القنبلةُ النوويةُ الأولى عامَ 1945، لمْ يعدْ النصرُ في حربٍ شاملةٍ ممكناً، بلْ صارَ الفناءُ هو النتيجةَ الحتميةَ.
أزمةُ الصواريخِ الكوبيةِ عامَ ١٩٦٢ كانتْ أقربَ لحظةً اقتربتْ فيها البشريةُ من نهايتِها. غواصةٌ سوفييتيةٌ محاصرةٌ بسفنٍ أمريكيةٍ، قبطانٌ أميركي يهمُّ بالانتقامِ النوويِّ، وضابطٌ سوفيتي واحدٌ “فاسيلي أليكساندروفيتش أرخيبوف VASILI ARKHIPOV” رفضَ الضغطَ على الزرِّ وأنقذَ العالمَ، وفي عام 2002 صرح “توماس بلانتون Thomas Blanton” الذي كان آنذاك مديرا لأرشيف الأمن القومي الأمريكي، بإن “فاسيلي أرخيبوف قد أنقذ العالم”.
بعدَ عقدينِ، في ١٩٨٣، كررَ الضابط الروسي “ستانيسلاف يفجرافوفيتش بيتروفْ Stanislav Yevgrafovich Petrov” البطولةَ حينَ رفضَ تصديقَ نظامِ “أوكا OKO” وهو نظام الإنذار المبكر السوفييتي لاكتشاف الصواريخ الباليستية العابرة للقارات “ICBMs” الذي أعلنَ “أنَّ خمسةَ صواريخَ أمريكيةً في طريقِها إلى موسكو”، واعتبره إنذاراً كاذباً ولم يقم بأي عمل، مما جنّب العالم من صواريخ نووية يتم إطلاقها من الاتحاد السوفييتي. وكان يكفي خطأٌ واحداً يومَها لإنهاءِ الحضارةِ الإنسانيةِ.
منذَ ذلكَ الحينِ، تغيّرَ مفهومُ الحربِ. لمْ يعدْ الصراعُ بينَ واشنطنَ وموسكو مجردَ سباقِ تسلّحٍ. فمن “الردعِ النوويِّ الشاملِ” الذي تبناهُ دوايتْ أيزنهاورْ، إلى “حربِ النجومِ” لرونالدْ ريغانْ، وصولًا إلى “الحروبِ الاستباقيةِ” في عهدِ جورجْ بوشْ الأبِ وجورجْ بوشْ الابنِ … كانت كلُّها استراتيجياتٌ ولّدتْ توازنَ رعبٍ عالميٍّ. ومعَ انهيارِ الاتحادِ السوفييتيِّ، لمْ تختفِ الحروبُ، بلْ تفككتْ: من نزاعاتٍ بينَ إمبراطورياتٍ إلى صراعاتٍ أهليةٍ وطائفيةٍ، ومن غزوِ الدولِ إلى تفكيكِها من الداخلِ بالعقوباتِ والحروبِ المعلوماتيةِ والاقتصاديةِ.
اليومَ، لمْ يعدْ أحدٌ يتحدثُ عنْ معركةٍ فاصلةٍ، بلْ عنْ سلسلةِ حرائقَ تشتعلُ في زوايا العالمِ: مثل سوريا، أوكرانيا، اليمنِ، دول إفريقيا … نزاعاتٌ بالوكالةِ تنزفُ دونَ إنذارٍ شاملٍ.
العالمُ يعيشُ على بُعدِ ٣٠ دقيقةً من نهايةٍ محتملةٍ نتيجة الحرب النووية الشاملة التي استعاضوا عنها بحروب صغيرة، لكنَّ الدمَ فيها يسيلُ ببطءٍ، وفي حروبٍ تُدارُ من خلفِ الشاشاتِ.
الحربُ العالميةُ الثالثةُ لم تبدأْ بصاروخٍ واحدٍ، بلْ بدأتْ فعلاً بصمت
صارتْ الكارثةُ تُقدَّمُ على جرعاتٍ.
اللهم اشهد اني بلّغت