فادي السمردلي يكتب: (هون فرطت مسبحتي) من تماسك المنظومة إلى شظايا متبعثرة

18 ثانية ago
فادي السمردلي يكتب: (هون فرطت مسبحتي) من تماسك المنظومة إلى شظايا متبعثرة

بقلم فادي زواد السمردلي .. .

*#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال*

*المقال يصوّر حالة عامة، وأي تشابه عرضي مع أشخاص أو وقائع حقيقية غير مقصود.*

“هون فرطت مسبحتي”… عبارة تختصر كل لحظة انكسار، حين يتهاوى ما كان متماسكًا، وحين تتحول المنظومة من كيان قائم إلى شظايا مبعثرة غير أن الحقيقة المُرّة تكمن في أن هذا “الفرط” لا يحدث بفعل عاصفة مفاجئة أو خصم خارجي متربص، بل يبدأ غالبًا من اليد ذاتها التي كان من المفترض أن تحفظ الخيط مشدودًا. اليد التي تمثل القيادة.

القيادة في أي منظومة هي بمثابة العقدة التي تمسك بكل الحبات معًا فإن كانت قوية، تماسكت البنية كلها، وإن ارتخت أو انشغلت أو خانت دورها، تساقطت الحبات واحدة تلو الأخرى وهنا يكمن جوهر الأزمة فهذه النوعية من القيادات التي تتوهّم أنها مركز قوة، بينما هي في الحقيقة مركز ضعف يجرّ كل ما حوله إلى السقوط.

المشكلة ليست في الظروف ولا في التحديات، فالتاريخ مليء بأمثلة عن منظومات واجهت ما هو أشد وأقسى وبقيت صامدة فالمشكلة الحقيقية تبدأ حين تُصاب القيادة بالغرور، أو بالعمى، أو بالارتهان للمظاهر وحين تصبح أكثر اهتمامًا بتلميع صورتها من مواجهة واقعها عندها لا يعود القرار قرارًا، بل ارتجالًا، ولا تصبح السياسة رؤية، بل سلسلة من ردود الأفعال المرتبكة وكل ارتباك ينتج عنه تصدّع، وكل تصدّع يفتح ثغرة جديدة، حتى تنهار الجدران كلها دفعة واحدة.

والكارثة أن القيادات الفاشلة لا تكتفي بصناعة الأخطاء، بل تصرّ على إنكارها فترفع شعارات الصمود فيما الشقوق واضحة للعين المجرّدة، وتتباهى بإنجازات ورقية فيما الواقع ينهار تحت الأقدام فيتظاهرون بأن زمام الأمور بأيديهم، بينما الجميع يدرك أن الخيط قد انقطع، وأن ما يسقط الآن لا يمكن جمعه بسهولة.

وليس أسوأ من الخيانة الصامتة التي تمارسها القيادة حين تختار الصمت في وقت يتطلب الصراخ، أو حين تتستر على الفشل بدل أن تواجهه بشجاعة وهنا تتحول القيادة من مركز ثقة إلى مصدر شك، ومن نقطة أمان إلى بؤرة خوف وعندما تنكسر الثقة، تنهار معها كل الروابط الأخرى، فلا ينفع حينها اجتهاد الأفراد ولا إخلاصهم، لأن البنيان ينهار من أعلاه لا من أسفله.

إن أخطر ما تفعله القيادة الضعيفة أنها تترك الجميع يلهثون وراء الفتات، يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما هي غارقة في إنكار الواقع أو في حماية مصالحها الضيقة وحين تُهدر الطاقات في لملمة التفاصيل، يضيع الجوهر، لا منظومة متماسكة، ولا عقدة تحفظ الكيان، بل مجرد أشلاء متناثرة لا يجمعها رابط.

هكذا تسقط المنظومات لا بسيوف الأعداء، بل بأيدي من جلسوا على كراسي القيادة وتخلّوا عن مسؤولياتهم فتسقط حين تتحول السلطة إلى عبىء، وحين يصبح القائد سبب الانهيار بدل أن يكون مانعًا له عندها يصبح الحديث عن “الإصلاح” مجرّد ذر للرماد في العيون، فما تهرّأ في الرأس لا يمكن ترقيعه في الأطراف.

إنها لحظة الحقيقة التي لا يمكن التهرب منها فحين تسقط الحبة الأولى، ويليها الأخرى، ثم الأخرى، حتى لا يبقى شيء سوى الخيط المقطوع، والوجوه التي تكشّفت على حقيقتها. عندها فقط ندرك أن ما انهار لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة سنوات من التراخي والتزييف والإنكار.