كتب د. عطا أبو الحاج
في كل دورة إنتخابية للإتحادات الخيرية في محافظات المملكة ، يظهر المشهد الإنتخابي وكأنه سباق محموم نحو الفوز بالمقاعد المخصصة لكل إتحاد والذي يملئه ممثلي الجمعيات الفائزين والذين تم انتخابهم من قبل قواعدهم الإنتخابية.
فالجمعيات ، التي قد تغيب أو تكون خاملة في الفترات التي تسبق الانتخابات، تتحول فجأة إلى كيانات نابضة بالحياة، أشبه بخلايا نحل لا تهدأ فتتحرك بسرعة فائقة، وتنتشر في كل مكان، تسعى لجذب إنتباه المرشحين على سواء وبكافة الوسائل الممكنة وتبدأ الحملات الانتخابية على قدم وساق، وتتوالى الخطابات الرنانة التي تعد بمستقبل أفضل وأيام مليئة بالإنجازات وفي هذا الوقت، يظهر المرشحون بصورة أكثر قربًا من الجمعيات ، فإلى جانب منصات السوشيال ميديا يزورونها وهم يرتدون باقات جميلة تسر عين الناظرين عدا أن تفاحة الوجنتين لديهم تكون متوردة وتجاعيد الوجه والتجهم يفارقهم والعلامات الحيوية فيهم نابضة ، ويتحدثون عن القضايا المتعددة برقة وترقرق عذب، ويتعهدون بتقديم الحلول السريعة لمشاكل العمل الخيري والتطوعي.
هذه الديناميكية الكبيرة تمنح الناخب شعورًا بالأمل في أن هناك تغييرًا حقيقيًا قادمًا، وأن هذه الوعود ستتحقق على أرض الواقع فور إنتهاء الانتخابات والجميع يتحدث لغة واحدة عن المستقبل الأفضل، التشبيك، التنمية والتطوير المستدام، والعدالة وإلاعتناء بالجمعيات وإنصافها من أي تغول كان مصدره ولكن، كما هو الحال في أغلب الأحيان، ينقلب المشهد رأسًا على عقب بمجرد انتهاء الانتخابات وإعلان النتائج.
فبمجرد الوصول إلى الهيئة الإدارية وقد تمكنوا من تحقيق أهدافهم الانتخابية، تبدأ صورة الإتحادات بالتغير فالنشاط الذي كان أشبه بدبيب النحل في كل مكان يتحول إلى تحركات بطيئة ومحدودة أشبه بتحركات النمل فتختفي الأصوات العالية التي كانت تطلق الوعود، ويقل الحماس الذي كان يشع من خطاباتهم ويعود الفائزون إلى مكاتبهم المغلقة، وينشغلون في ترتيب التحالفات وتقسيم المناصب أي تشكيل المكتب التنفيذي لكل إتحاد أما الجمعيات، التي كانت محط الأنظار قبل الإنتخابات، فتجد نفسها مهملًة ومجرد متفرج على ما يحدث ويصلها القليل اذا كانت مسددة اشتراكاتها السنوية.
هذا التحول الحاد من النشاط المحموم إلى الجمود المزعج يثير تساؤلات مشروعة حول مصداقية ممثلي الجمعيات الفائزين وأهدافهم الحقيقية ولماذا تتحول الجمعيات إلى خلية نحل قبل الإنتخابات ثم تصبح كالنمل بعد الفوز؟ الإجابة تكمن في الثقافة المجتمعية السائدة، التي غالبًا ما تجعل من الإنتخابات هدفًا بحد ذاته وليس وسيلة لتحقيق مصالح الجمعيات بعبادها وبالنسبة لبعض المرشحين ، الإنتخابات ليست سوى محطة للحصول على مقعد يستمد سلطته منه، حيث يتم التركيز على تحقيق هذا الهدف دون النظر إلى الإلتزامات التي قطعها على نفسه أثناء الحملة الإنتخابية
هذا السلوك ليس جديدًا ففي كثير من الأحيان، تتكرر هذه الظاهرة، حيث تُستخدم الإنتخابات كأداة لإغراء الناخبين بالوعود الزائفة، دون وجود آليات حقيقية لضمان تنفيذها وينعكس ذلك بشكل خطير على العلاقة بين المواطن والسياسي، حيث يفقد الناخب الثقة تدريجيًا في العملية برمتها وهذا الشعور بالإحباط يمكن أن يؤدي إلى العزوف عن المشاركة، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لديناميكية العمل وإنتاج حالة جديدة بل يغط في حالة من الإستاتيكا وعجز يتجاوز الحاجات الأساسية للجمعيات ويطل الحيص بيص برأسه عليها.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز هنا تساؤل آخر ماذا عن وعود ما بعد الإنتخابات؟ ففي ظل غياب آليات رقابة صارمة ومساءلة واضحة، يصبح الفائزون أقل التزامًا بتنفيذ ما وعدوا به فالإنشغال بالتحالفات والخلافات الداخلية للوصول الى رئاسة اللجان يطغى على أولويات الجمعيات ، مما يجعل الشعارات التي كانت تُرفع خلال الحملات الانتخابية مجرد كلمات.
لحل هذه المشكلة، لا بد من إتخاذ خطوات جادة لضمان إستمرارية العمل الخيري والتطوعي بعد الإنتخابات بنفس الزخم الذي كان يسبقها.
أولًا، يجب على الإتحادات تطوير استراتيجيات طويلة الأمد تكون موجهة نحو خدمة الجمعيات، بدلًا من التركيز فقط على الفوز الانتخابي.
ثانيًا، ينبغي تعزيز دور النشاط الرقابي بشقيه المالي والإداري، لمتابعة التزام الإتحادات بتنفيذ ما قطعته من وعود ممثلة براوفدها من ممثلي الجمعيات.
ثالثًا، على وسائل الإعلام أن تؤدي دورًا محوريًا في تسليط الضوء على أداء العاملين بعد الانتخابات، بحيث لا يُسمح لهم بالاختباء وراء المكاتب المغلقة.
وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الناخب نفسه أن يكون أكثر وعيًا وحذرًا فالتصويت يجب أن يكون بناءً على برامج المرشحين وتاريخهم ومصداقيتهم وليس بناءً على وعود عاطفية أو شعارات براقة فعندما يصبح الناخب أكثر قدرة على المحاسبة والمطالبة بتنفيذ الوعود، ستضطر الإتحادات إلى تغيير سلوكها، والعمل بجدية لتحقيق تطلعات الجمعيات.
في النهاية، الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع يُفتح كل دورة أو بضع سنوات، بل هي عملية مستمرة من العمل والمساءلة فالإتحادات يجب أن تدرك أن وظيفتها لا تنتهي بمجرد تحقيق الفوز، بل تبدأ من تلك اللحظة فإذا استمرت ظاهرة “خلية نحل قبل الإنتخابات، نمل بعدها”، فإن الديمقراطية ستظل سطحية، وستبقى الفجوة قائمة بين الإتحادات والجمعيات تتسع يومًا بعد يوم لا يمكن السيطرة عليها فالمسؤولية مشتركة بين الجميع والصداقة الناقدة مهماز لا بد من الأخذ بها ، لضمان أن تكون الانتخابات بداية فعلية للتغيير، وليست مجرد محطة موسمية للوعود الزائفة ولا بد أن تكون الفلسفة والرؤيا على إتساق ثابت بعيدا عن الهيمنة والسيطرة والتهميش